من أخطر الأمراض التي تعترض الإنسان في حياته مرض القلب، وهو داء عضال مُهلك ومُدمِّر، والخطر فيه أنه يعتري القلب بلا وجع وبلا ألم! فبمجرَّد الشعور بمغص في البطن أو رمد في العين أو عطب في أي عضوٍ من أعضاء الجسد يُسارع الإنسان إلى أمهر الأطباء، للبحث له عن دواء شافٍ وعلاج ناجع، لكن مَنْ مِن الناس يشعر بمرض النفاق ويبحث لنفسه عن علاج؟ وصحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم- وهم الأطهر قلوباً، والأفضل إيماناً، والأصدق لساناً- كانوا يخشونه ويحذرونه، لدرجة جعلت فاروق الأمة ورمز عدالتها عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يلجأ لأمين سر رسول الله حذيفة بن اليمان، رضي الله عنه- وقد أعلمه الرسول الكريم بأسماء المنافقين- ويستحلفه بالله: أمن بين أسماء المنافقين عمر؟! 

وتكمن خطورة أمراض القلب في أنها آفات معنوية تُفسد تصوُّر الإرادة والمعرفة، وتنقسم إلى: مرض الشبهات، ومرض الشهوات. ويشمل مرض الشبهات: الشك، والارتياب، والجهل بحقائق الدِّين، مما يجعل صاحبه يرى الباطل حقاً والحق باطلاً. فيما يتضمَّن مرض الشهوات: الكبر، والحسد، والرياء، والعجب، والغضب، وحُب الدنيا، واتباع الهوى وغلبة حُب النساء. 

وقد أفاض علماء الأمة الربانيون، كابن قيم الجوزية وشيخه ابن تيمية، في تفصيل الأدواء التي تُصيب القلوب، وبينوا لنا انقسام القلوب إلى ثلاثة: 

Ad

قلب سليم، وهو القلب الحي الموحِّد النقي الذي سَلِم من الشبهات والشهوات، وهو الوحيد الناجي يوم القيامة (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء - 88,89). وقلب مريض، وهو القلب الذي اعترضته الأهواء والشهوات أو الشبهات، وهو في صراعٍ بين الصحة والمرض (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً) (سورة البقرة- 10). وقلب ميت، وهو قلب الكافر أو المنافق المُعرض عن الله، الذي ران عليه الكُفر، فلم يَعُد يتقبَّل الحق، ولا يتألم للمعصية. 

وللعلاج، فهذه روشتة ربانية كفيلة بتخليص القلوب من أدرانها، وأفضلها: الإقبال على كتاب الله تعالى، وتلاوة كلام الله بتدبُّر وفهم، ففيه الشفاء الأعظم للقلوب، والإكثار من ذكر الله تعالى، بالتسبيح، والتهليل، والاستغفار، وملازمة الأذكار، لأن ذلك يُطهِّر القلب، ويُعيد إليه صفاءه، والتوبة النصوح، والمبادرة بالاستغفار، وترك المعاصي التي تُميت القلب وتُضعفه، والعِلم الشرعي، لإزالة الشبهات والجهل بالبصيرة، واليقين. 

جعلنا الله وإياكم من أصحاب القلوب السليمة.