لم يعد السؤال اليوم: هل سنستخدم الذكاء الاصطناعي؟ السؤال الذي يفرض نفسه هو: مَنْ سيستخدمه أولاً؟ ومَنْ سيكتفي بمراقبة الآخرين وهم يُعيدون تشكيل العالم من خلاله؟

في سنوات قليلة، انتقل الذكاء الاصطناعي من معامل الأبحاث وشركات التكنولوجيا إلى قلب الحكومات والمؤسسات. دول تتسابق لتطوير قُدراتها، ووزارات تُعيد النظر في خدماتها وعملياتها، ومؤسسات تستثمر في البيانات والنماذج الذكية، وجامعات تُعيد التفكير في المهارات التي يحتاجها إنسان المستقبل. 

نحن أمام تحوُّل لا يُشبه أي تحوُّلٍ تقني سابق، لأن هذه المرَّة لا تتغيَّر الأدوات فقط، بل تتغيَّر طريقة التفكير، والعمل، والإنتاج، واتخاذ القرار.

Ad

لهذا لم يَعُد امتلاك الذكاء الاصطناعي مسألة رفاهية أو مواكبة للموضة التقنية، بل أصبح جزءاً من قدرة الدولة على المنافسة وحماية مصالحها وصناعة مستقبلها. فمَنْ يمتلك البيانات، والكفاءات، والبنية التحتية، والقدرة على تطوير الحلول الذكية، يمتلك أدوات جديدة للتنمية والاقتصاد والأمن والخدمات.

والتأثير لن يتوقف عند المؤسسات. فالذكاء الاصطناعي سيدخل المدرسة والجامعة والمستشفى والمصنع والبنك ووسائل الإعلام، وسيُغيِّر طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة، ويُعيد تعريف مفهوم الإنتاجية، ويفتح فرصاً جديدة، وفي الوقت نفسه يفرض تحديات حقيقية تتعلَّق بالخصوصية، والأمن السيبراني، ومستقبل بعض المِهَن، وأخلاقيات استخدام البيانات والخوارزميات.

ومن هنا، فإن التعامل مع الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يظل محصوراً في مشاريع متفرقة أو مبادرات مؤقتة، بل يحتاج إلى استراتيجية وطنية متكاملة تُحدِّد أين نُريد أن نصل، وكيف سنبني قدراتنا، وكيف سنؤهل الإنسان، وكيف نضمن أن تتحوَّل التقنية إلى قيمةٍ حقيقية للاقتصاد والمجتمع.

وفي الخليج، بدأت دول المنطقة بالفعل في التحرُّك نحو هذا المستقبل، من خلال استراتيجيات وطنية، ومبادرات حكومية، واستثمارات واسعة في التكنولوجيا والبيانات والكوادر المتخصصة. وهذا التحرُّك يعكس إدراكاً واضحاً بأن السباق القادم لن يكون على النفط أو الصناعة أو الأسواق وحدها، بل سيكون أيضاً على المعرفة والابتكار والقدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي.

لكن مع اتساع تأثير الذكاء الاصطناعي وتشعب حضوره في مختلف القطاعات، يبرز سؤال أكثر عُمقاً: هل تكفي الجهود المتفرقة بين إدارة أو هيئة أو لجنة أو فريق، أمام تحوُّل بهذا الحجم؟

إذا كان الذكاء الاصطناعي سيمس الاقتصاد والتعليم والصحة والأمن والطاقة والعمل والخدمات، فربما حان الوقت للنظر إليه باعتباره مشروعاً وطنياً متكاملاً يحتاج إلى مظلةٍ توازي حجمه وتأثيره.

قد نحتاج إلى وزارة للذكاء الاصطناعي والتحوُّل الذكي، لا لتُضيف جهازاً حكومياً جديداً، بل لتقود الرؤية، وتنسق الجهود، وتبني القدرات، وتحمي البيانات، وتضمن أن تسير مؤسسات الدولة في اتجاهٍ واحد.

فالمستقبل لن ينتظر مَنْ يكتفي باستخدام الذكاء الاصطناعي. المستقبل سيكون لمَنْ امتلك القدرة على صناعته به.