هل يمكننا التحول من مستهلكين إلى منتجين للطاقة؟ وكيف؟ الإجابة؛ نعم، يمكن تحويل المستهلك إلى منتج للطاقة؛ وذلك من خلال انتقال الفرد أو المنزل أو المنشأة من دور المستهلك فقط إلى دور المستهلك المنتج (Prosumer)، بحيث يولّد جزءاً من احتياجاته من الكهرباء، غالباً باستخدام الطاقة الشمسية، ويستهلكها مباشرة، ويخزن الفائض أو يضخه إلى الشبكة الكهربائية الوطنية وفق النظام المعتمد.
ويمكن البدء بهذا المشروع الحيوي من خلال إطلاق مبادرة: «المستهلك المُنتج للطاقة» والتي تقوم على خمسة محاور مترابطة: التشريعات المنظمة للربط وبيع أو مقاصة الفائض، التمويل والحوافز لتركيب الأنظمة، البنية التحتية للشبكات والعدادات الذكية، تطوير سوق محلية لشركات التركيب والصيانة، ثم إنشاء منصة رقمية وطنية تقيس إنتاج كل مستهلك وإجمالي مساهمته في المنظومة الكهربائية.
هذه المبادرة ممكن أن تكون جزءاً من رؤية الانتقال التدريجي من نموذج يعتمد فيه المستهلك كلياً على الكهرباء المنتجة مركزياً، إلى نموذج يصبح فيه المنزل والمبنى الحكومي والمنشأة التجارية والصناعية والزراعية وحدة صغيرة لإنتاج الطاقة المتجددة.
أما الهدف الاستراتيجي للمبادرة ممكن أن يشمل إنشاء منظومة تسمح للمستهلك بإنتاج الطاقة الكهروضوئية، واستهلاكها، وتخزينها، وتصدير الفائض إلى الشبكة، بما يحقق قيمة اقتصادية للدولة والمستهلك معاً. وترتبط برؤية المبادرة واستراتيجيتها مجموعة من الخطوات التشغيلية التالية:
1 - وضع الإطار التشريعي والتنظيمي:
تحديد حق الأفراد والمنشآت في إنتاج الكهرباء، وشروط الربط بالشبكة، ومسؤوليات المنتج والوزارة أو الهيئة، والمواصفات الفنية والسلامة.
2 - تحديد نموذج شراء أو مقاصة الفائض وهذه من أهم الخطوات الاقتصادية: تحديد ما إذا كان الفائض سيعامل وفق Net Metering أو Net Billing أو تعرفة شراء محددة.
3 - تحديد أهلية أو جاهزية المبنى: دراسة مساحة السطح، واتجاهه، والظلال، والأحمال الكهربائية، والسلامة الإنشائية، وتحديد القدرة المناسبة للنظام.
4 - تقديم طلب رسمي لخدمات الطاقة المتجددة من خلال مكتب هندسي معتمد، مع المستندات الخاصة بموقع المبنى ومساحته ومواصفاته.
5 - المعاينة والموافقة الفنية: تتم معاينة الموقع من الجهة المختصة والتأكد من ملاءمته قبل التنفيذ.
6 - تركيب منظومة الطاقة الشمسية ذات المواصفات الفنية المعتمدة، والتي تشمل الألواح الكهروضوئية، العاكس الكهربائي Inverter، أنظمة الحماية والتحكم، وتمديدات الربط، ويمكن إضافة البطاريات عند الحاجة.
7 - تركيب عداد ذكي ثنائي الاتجاه:
وهو عنصر أساسي لقياس الكهرباء المستهلكة من الشبكة والطاقة المصدرة إليها.
8 - الربط بالشبكة الوطنية: بعد الفحص والاعتماد، يصبح تدفق الكهرباء في اتجاهين: من الشبكة إلى المستهلك، ومن المستهلك المُنتج إلى الشبكة الوطنية
9 - الاستهلاك الذاتي أولاً: يستهلك المنزل أو المنشأة الطاقة الشمسية المنتجة في الموقع، مما يخفض كمية الكهرباء المطلوبة من الشبكة، خصوصًا خلال ساعات النهار.
10 - إدارة الفائض: يمكن تخزين الطاقة الزائدة في البطاريات أو تصديرها إلى الشبكة وفق الآلية التنظيمية والتجارية التي تعتمدها الدولة.
11 - إنشاء حساب طاقة للمستهلك المُنتج: بدل أن تعرض الفاتورة «الاستهلاك» فقط، يصبح الحساب قائماً على الطاقة المستهلكة مضافةً إليها الطاقة المنتجة، والطاقة المصدرة، وصافي الاستهلاك.
12 - منصة وطنية للمستهلكين المنتجين: تربط العدادات الذكية بأنظمة الدولة الكهربائية، وتعرض الإنتاج والاستهلاك والفائض والتوفير والأثر البيئي، مع لوحة مؤشرات وطنية تقيس: عدد المستهلكين الذين تحولوا إلى منتجين، القدرة الشمسية المركبة بالميغاواط، كمية الكهرباء المنتجة سنوياً، نسبة الاستهلاك الذاتي، كمية الفائض المصدّر للشبكة، مقدار خفض حمل الذروة، الوقود الذي تم توفيره، حجم الانبعاثات المقلصة، والقيمة الاقتصادية المتحققة للدولة والمستهلك.
13 -يمكن تنفيذ المبادرة تدريجياً: تبدأ بالمباني الحكومية والمدارس والمساجد والمنازل ذات الأسطح المناسبة، ثم المجمعات التجارية والصناعية، وبعد إثبات الجدوى تتوسع إلى نموذج الأحياء المنتجة للطاقة ومحطات التخزين المجتمعية.
اقتصادياً، لا تقتصر الفائدة على خفض فاتورة المستهلك؛ بل تساهم بمنظومة طاقة متكاملة، تبدأ بتقليل الأحمال وقت الذروة، وتوفير جزء من الوقود المستخدم في إنتاج الكهرباء، وخفض الانبعاثات الكربونية، وتنويع مصادر الطاقة، وخلق سوق محلية لتركيب وصيانة أنظمة الطاقة الشمسية والعدادات.
إن نموذج المبادرة مبني على أربعة أطراف مترابطة:
1 - المستهلك المُنتج للطاقة الكهربائية.
2 - الوزارة أو هيئة الكهرباء تنظم الربط بالشبكة الوطنية وتقيس الإنتاج والاستهلاك والفائض.
3 - القطاع الخاص يساهم في تركيب الأنظمة المعتمدة تحت رقابة الحكومة.
4 - الدولة تنشئ صندوقاً لتمويل مشروع التحول بالتعاون مع البنوك.
فهل سيتم قريباً إطلاق مبادرة وطنية بعنوان: «المستهلك المُنتج للطاقة»، تقوم على حافز اقتصادي واضح، مثل صافي القياس Net Metering الذي يحتسب الكهرباء المصدرة مقابل المستهلكة، أو تعرفة شراء الفائض، إلى جانب التمويل الميسر ومعايير موحدة للربط بالشبكة، على أن يتم تركيب ألواح شمسية (ذات مواصفات فنية معتمدة) فوق المنازل والمباني الحكومية والتجارية والصناعية والزراعية، وربطها بعدادات ذكية وشبكة كهربائية مستقرة، قادرة على استقبال الطاقة المولدة محلياً؟ وهل سيتم توجيه جزء من موارد دعم استهلاك الكهرباء إلى تحفيز الاستثمار في إنتاجها وكفاءة استخدامها؟ وهل ستصبح مبادرة: «المستهلك المُنتج للطاقة» إحدى ركائز استراتيجية التنوع في مصادر الطاقة؟