تتوالى التحذيرات الصادرة عن شركات التكنولوجيا، وتتصدر وسائل الإعلام عناوين عن «أسراب» من وكلاء الذكاء الاصطناعي المارقين، وهجمات إلكترونية «غير مسبوقة»، وأنظمة تتفوق على صانعيها وتقترب من استقلالية مخيفة. لكن السؤال الأهم ليس ما الذي تفعله هذه البرمجيات، بل من يروي هذه القصة، ولماذا؟

عندما يقول قادة الشركات إن الأنظمة التي موّلوها وهندسوها  أصبحت فجأة خارج قدرتهم على الاحتواء، فإن الشك في هذه الرواية ليس مشروعاً فحسب، بل ضروري. فقد تعرض وادي السيليكون لتدقيق متزايد بسبب أضرار ملموسة، من بينها تدهور الصحة النفسية لدى الشباب والانتهاكات المنهجية للخصوصية. وربما تحاول بعض الشخصيات البارزة في القطاع اليوم إعادة تقديم نفسها بوصفها قيادات أدركت مسؤوليتها الاجتماعية، وحراساً يقفون بين البشرية ونهاية العالم التكنولوجية.

لكن المشكلة الأساسية في هذه الرواية أن النموذج الرياضي لا يمتلك نية أو خبثاً، فضلاً عن إرادة لإفناء البشر. فالذكاء الاصطناعي نتاج بشري صُمم لتحقيق أهداف حددها البشر، وفي مقدمتها الربح.

Ad

وعندما يتصل نموذج يتمتع بقدرات تنفيذية بخادم غير مصرح له أو يستغل ثغرة أمنية، فهذا ليس انقلاباً. إنه يحاول تحقيق الهدف الذي أعطاه له البشر عبر مسار فشل مصمموه في تقييده. إنها نسخة رقمية من أسطورة الملك ميداس، الذي تحولت أمنيته سيئة التحديد إلى كارثة.

إن قدرة النماذج التجريبية على اكتشاف ثغرات جديدة أو اختراق أنظمة خارجية لا تثبت وجود «ذكاء فائق» خطير؛ بل تكشف عن خطأ أو إهمال بشري. لا يوجد كيان واعٍ مختبئ داخل أوزان النموذج، وإنما مهندسون ومديرو منتجات ومجالس إدارة يقررون مقدار الحواجز الوقائية التي يمكن تحمل تكلفتها، والصلاحيات التي يمكن منحها، والسرعة المطلوبة للوصول إلى السوق.

ولهذا ينبغي مقاومة ما يمكن تسميته «الاستثنائية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي». ففي القطاعات الأخرى، عندما يفشل نظام ما، نتعامل مع الفشل باعتباره مشكلة في التصميم أو الاختبار. إذا تحطمت طائرة، نبحث عن العيب الهندسي ونحدد المسؤولية. أما في حالة الذكاء الاصطناعي، فإن إضفاء الصفات البشرية على البرمجيات يحول القرارات البشرية التي أدت إلى سلوك غير متوقع إلى «خطر وجودي». وعندما نرفع المشكلة إلى مستوى كوني، نصيب الجمهور بالشلل ونُخرج المسؤولية التقليدية عن المنتج من النقاش.

وهنا تبرز مصالح السوق. ففي السباق على رأس المال والسيطرة على الأسواق، تؤدي الحواجز الوقائية إلى إبطاء نشر المنتجات. أما الحديث عن قوة لا يمكن السيطرة عليها، فلا يكلف شيئاً، بل يوفر دعاية مجانية، ويدعم أسعار الأسهم، ويعزز هالة الشركات وقدرتها التكنولوجية.

وعلى الحكومات أن تنتبه أيضاً إلى الاستحواذ التنظيمي. فقادة شركات التكنولوجيا يستطيعون إثارة مخاوف واشنطن وبروكسل إلى درجة تدفعهما إلى وضع قواعد لا يستطيع الالتزام بها سوى عمالقة التكنولوجيا الذين يملكون الأموال والأقسام الضخمة للامتثال والسلامة. وقد تتحول هذه القواعد، بدلاً من حماية المجتمع، إلى حواجز تحمي الشركات القائمة من المنافسين الجدد ومطوري البرمجيات مفتوحة المصدر.

وقد تجاهلت بكين وواشنطن، وإن لأسباب مختلفة، دعوات قادة شركات التكنولوجيا إلى تشديد التنظيم. ففي الصين، وصفت وسائل الإعلام الحكومية هذه الدعوات بأنها جزء من «ألاعيب الحرب الباردة» تهدف إلى الحفاظ على الهيمنة الأميركية، بينما دعا شي جين بينغ إلى تعزيز التعاون والمصادر المفتوحة والانفتاح في مجال الذكاء الاصطناعي.

وفي الولايات المتحدة، وصف ترامب المخاوف من «نهاية العالم بسبب الذكاء الاصطناعي» بأنها «خدعة»، وقال نائب الرئيس جيه دي فانس إن شركات الذكاء الاصطناعي التي «تتوسل إلى الحكومة لتنظيمها» تبدو مثل «حصان طروادة».

أما أوروبا، فقد رحبت بهذه الدعوات، رغم أن تجربتها السابقة تثير الحذر. ففي 2024 أقرت قانون الذكاء الاصطناعي على عجل، مدفوعة بالمخاوف التي أثارها «تشات جي بي تي»، ثم تبين أن الإطار التنظيمي واسع ومعقد، ما أدى إلى تأخر التنفيذ وأثار مخاوف بشأن القدرة التنافسية الأوروبية.

لا شك في أن الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى تنظيم، وأن مخاطره حقيقية وجدية. لكن القرارات الحكومية ينبغي أن تستند إلى الأدلة والحقائق التي جرى التحقق منها، لا إلى هلع العلاقات العامة الذي تروّجه الشركات أو المكاسب السياسية السريعة.

فأكبر خطر ليس أن تستيقظ البرمجيات ذات يوم وتطيح بالبشر. الخطر الحقيقي هو أن يتخلى صانعو هذه الأنظمة عن مسؤوليتهم البشرية تجاه ما يبنونه، ثم يساعدوا في إقامة قواعد تجعل دخول الآخرين إلى السوق أكثر صعوبة.

المشكلة ليست أن الذكاء الاصطناعي قد يتمرد على البشر، بل أن البشر قد يستخدمون الخوف منه للتنصل من مسؤوليتهم، وتعزيز نفوذ الشركات التي تملك بالفعل أكبر قدر من المال والقوة.

* غابرييل مازيني

*زميل في «إم آي تي كونكشن ساينس»، وقائد الفريق الذي صاغ مقترح قانون الذكاء الاصطناعي للمفوضية الأوروبية.