• عندما نتحدث عن حماية الطفل، ما أول شيء يجب أن يعرفه الأب والأم؟
-أهم شيء أن يعرف الوالدان أن الطفل لا يستطيع دائماً التعبير بالكلمات عما يتعرض له، فأحياناً يتغير سلوكه، وهذه التغيرات قد تكون رسالته الأولى، فقد يصبح الطفل منطوياً بعدما كان اجتماعياً، أو عصبياً بعدما كان هادئاً، أو يبدأ في الخوف من شخص معين، أو يتراجع مستواه الدراسي بصورة مفاجئة، أو يرفض الذهاب إلى المدرسة.
هذه العلامات لا تعني بالضرورة أن الطفل يتعرض للإساءة، لكن عندما يكون التغير مفاجئاً ومستقراً، يجب ألا نتجاهله، فالأب والأم ليسا مطالبين بأن يكونا أطباء أو اختصاصيين نفسيين، لكنهما مطالبان بأن يلاحظا ويسألا ويستمعا.
تغيرات في سلوك الطفل
• أحياناً يرى الأب أو الأم تغيراً في الطفل، لكنهما يعتقدان أنه مجرد «دلع» أو مرحلة عمرية... متى يصبح الأمر بحاجة إلى انتباه؟
-عندما يكون التغير واضحاً ومستمراً، خصوصاً إذا ظهر معه أكثر من مؤشر... مثلاً، إذا بدأ الطفل في الانعزال، وأصبح لا يريد الذهاب إلى المدرسة، وتغير نومه أو شهيته، أو أصبح يخاف من شخص معين، هنا يجب أن نتوقف ونسأل: ماذا يحدث؟
المهم ألا يبدأ السؤال بطريقة تخيف الطفل، مثل «من فعل بك ذلك؟» أو «لماذا تكذب؟»، إنما بطريقة هادئة: «أشعر أنك تغيرت... هل هناك شيء يضايقك؟ هل تريد أن تتحدث معي؟»، فالطفل يحتاج في هذه اللحظة إلى أن يشعر أن الشخص الذي أمامه مستعد ليحمايته، وليس معاقبته.
• هل تغيرت طبيعة المخاطر التي يتعرض لها الأطفال في السنوات الأخيرة؟
- بالطبع، فإلى جانب العنف الجسدي والنفسي والإهمال والاعتداء والاستغلال، أصبح الفضاء الإلكتروني تحدياً جديداً في حماية الطفل... الطفل اليوم أصبح يستخدم الهاتف ووسائل التواصل، وبالتالي أصبحت هناك مخاطر مرتبطة بهذا الاستخدام، ومنها الابتزاز الإلكتروني، وقد استقبل خط مساندة الطفل «147» ما بين اتصال واحد إلى 3 اتصالات يومياً بشأن الابتزاز الإلكتروني منذ إطلاق حملة «لا تخضع... بلّغ»، وهذا الرقم يوضح أن حماية الطفل لم تعد مرتبطة فقط بما يحدث أمام أعين الأسرة، إنما أيضاً بما قد يحدث خلف شاشة الهاتف.
الابتزاز الإلكتروني
• كيف يمكن للأهل أن يعرفوا أن الطفل قد يتعرض للابتزاز الإلكتروني؟
- قد تظهر على الطفل علامات بسيطة، لكنها تستحق الانتباه، مثل أن يصبح شديد التوتر عند وصول رسالة أو اتصال، أو يحاول إخفاء هاتفه بصورة غير معتادة، أو يرفض الحديث عما يفعله إلكترونياً، أو يطلب مبالغ مالية دون تفسير واضح، أو يصبح خائفاً بصورة مستمرة.
وفي هذه الحالة، يجب ألا يكون أول رد فعل هو أخذ الهاتف منه أو معاقبته، لأن ذلك قد يدفعه إلى إخفاء المشكلة بصورة أكبر. والأفضل أن نقول له: «إذا تعرضت لأي شيء عبر الهاتف، أخبرني، وأنا سأساعدك».
وعند التأكد من تعرض الطفل للابتزاز، يجب أولاً تهدئته وإشعاره أنه ليس وحده، ثم التركيز على حمايته والتعامل مع الموقف بصورة صحيحة، وطلب المساعدة من الجهات المختصة. والأهم ألا يُترك الطفل ليواجه المبتز وحده، وألا تتحول المسألة إلى سر يخشى الطفل كشفه.
وقد انتبهت وزارة الصحة إلى هذه المشكلة، وسارعت إلى تخصيص خط مساندة الطفل «147» لتلقي البلاغات وتقديم المساعدة، كما يتعامل مركز حماية الطفل مع الحالات التي تحتاج إلى تقييم وتدخل صحي وحماية ومتابعة.
وفي ظل اتساع مخاطر الفضاء الإلكتروني، هناك بعض الدول التي انتبهت إلى مخاطر الشبكة العنكبوتية على الأطفال، واتجهت إلى منع الأطفال من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، بهدف تجنب مخاطر هذا الفضاء الواسع.
منع استخدام وسائل التواصل
• هل أنت مع توجه منع الأطفال من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي؟
- نعم، لا يخفى على أحد أن هذا التوجه مطروح على مستوى الحكومة، التي تقوم حالياً بإعداد خطة محكمة لتقنين استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، بعد استيفاء الشروط والآراء كافة من الجهات ذات العلاقة.
وقد يكون المخاض بطيئاً، لكننا جميعاً متفقون على أهمية حماية الطفل والأسرة والمجتمع من الممارسات غير المدروسة والسلوكيات التي لا تمت إلى المجتمع الكويتي بصلة.
دور مركز حماية الطفل
• وما الدور الذي يقوم به مركز حماية الطفل تحديداً؟
- المركز هو الذراع الصحية المتخصصة في منظومة حماية الطفل، فدورنا لا يقتصر على علاج إصابة، بل يبدأ من اكتشاف الإساءة أو الإهمال، ثم تقييم الطفل طبياً ونفسياً واجتماعياً، وتوثيق الحالة، ووضع خطة للتدخل، والتنسيق والإحالة والمتابعة.
ونتعامل مع حالات متعددة تشمل العنف الجسدي، والإساءة النفسية والعاطفية، والاعتداء أو الاستغلال الجنسي، والإهمال وسوء الرعاية، والإهمال الطبي والتعليمي، والعنف الأسري والاستغلال وتعريض الطفل للمخدرات أو السلوكيات الخطرة، ومع ظهور المخاطر الإلكترونية، أصبح علينا أيضاً أن نكون أكثر قدرة على التعامل مع آثارها النفسية والاجتماعية.
• وهل كل بلاغ يعني أن الطفل تعرض فعلاً للإساءة؟
- ليس بالضرورة، البلاغ أو الاشتباه هو بداية للتقييم، وليس حكماً على الأسرة أو الطفل أو الشخص المبلغ عنه، فخلال النصف الأول من العام استقبلنا نحو 436 بلاغاً، لكننا تعاملنا مع نحو 281 بلاغاً فقط، فنحن نقيم سلامة الطفل ودرجة الخطورة، وننظر إلى المؤشرات الطبية والنفسية والاجتماعية، ثم نحدد التدخل المناسب.
وفي حال وجود شبهة جريمة أو استمرار الخطر، يتم التنسيق والإحالة إلى الجهات القانونية والأمنية المختصة، مع الحفاظ على سرية المعلومات ومراعاة مصلحة الطفل.
وأود التأكيد بأن مركز حماية الطفل ليس جهة تحقيق جنائي، ودوره الأساسي هو حماية الطفل وتقييم حالته وتوثيقها والتدخل أو الإحالة عند الحاجة.
الخطأ الأكثر شيوعاً
• برأيك، ما الخطأ الأكثر شيوعاً الذي قد يقع فيه الأهل عندما يكتشفون أن طفلهم تعرض للإساءة؟
- اللوم... عندما يكون الطفل خائفاً، ثم يسمع من والده أو والدته «لماذا لم تخبرني؟» أو «كيف سمحت لنفسك أن تصل إلى هذا؟»، فقد يشعر بأنه هو المخطئ، وقد يغلق الباب تماماً أمام الحديث، المطلوب هو الاحتواء أولاً، ثم طلب المساعدة.
نريد أن يعرف الطفل أن الخطأ الذي تعرض له لا يسقط حقه في الحماية، وأن الحديث عما حدث لا يعني أنه سيتعرض للعقاب.
الأمان النفسي والاجتماعي
• وماذا عن المدرسة؟ هل يمكن للمعلم أن يكتشف أن الطفل يواجه مشكلة في المنزل أو خارجه؟
- بالتأكيد، فالمدرسة ليست مكاناً للتعليم فقط، وإنما بيئة أساسية للأمان النفسي والاجتماعي للطفل، فالمعلم قد يكون أول شخص يلاحظ أن طفلاً كان متفاعلاً أصبح صامتاً، أو أن مستواه الدراسي تراجع فجأة، أو أنه أصبح كثير الغياب أو يخشى شخصاً معيناً.
ومع بداية العام الدراسي الجديد، من المهم أن ينتبه المعلمون إلى هذه التغيرات وألا يفسروها دائماً بأنها مشكلة سلوكية أو ضعف دراسي، أحياناً يكون وراء السلوك قصة يحتاج الطفل إلى من يسمعها.
• كيف ساعد قانون حقوق الطفل واللائحة المنظمة للبلاغات في تطوير منظومة الحماية؟
- يعد قانون حقوق الطفل رقم 21 لسنة 2015 خطوة أساسية في ترسيخ حماية الطفل باعتبارها حقاً أصيلاً ومسؤولية مؤسسية، ووضع إطاراً قانونياً للحماية من الإهمال والإساءة والاستغلال، وحدد مسؤوليات الجهات المعنية وآليات التعامل مع الطفل المعرض للخطر.
وفي عام 2026 شهدت المنظومة تطوراً مهماً من خلال اعتماد اللائحة المنظمة لاستقبال بلاغات العنف ضد الطفل وإجراءات الإيواء والحماية، بما يوفر إطاراً أوضح للتعامل مع الحالة منذ الرصد والإبلاغ وحتى التدخل والحماية.
والتحدي الأكبر من وجهة نظري، هو توحيد التطبيق العملي بين الجهات، وسرعة تبادل المعلومات وفق الضوابط القانونية، والتدريب المستمر للعاملين، وقياس نتائج التدخل وليس فقط أعداد البلاغات.
• في النهاية، إذا أردت أن توجه رسالة واحدة إلى كل أب وأم، فماذا تقول؟
- لا تنتظروا أن يقول الطفل «أنا بحاجة إلى المساعدة»، راقبوا التغيرات الصغيرة، واسألوا بهدوء، واستمعوا دون حكم أو لوم، وإذا تغير طفلكم فجأة، لا تتعاملوا مع الأمر باعتباره عناداً أو دلعاً قبل أن تعرفوا السبب.
والأهم أن يعرف كل طفل أن البيت مكان آمن للحديث، وأنه إذا تعرض لأي شيء يستطيع أن يخبر والديه دون خوف من العقاب، فحماية الطفل تبدأ من لحظة يشعر فيها أنه مسموع ومصدق ومحمي.
وأقول لكل طفل: «أنت مهم، أنت مسموع، ومن حقك أن تتعلم وتكبر في بيئة آمنة تحفظ كرامتك وتحميك».
8 علامات على الإساءة للطفل
1ـ تغير مفاجئ ومستمر في شخصية الطفل أو سلوكه، مثل الانطواء، والخوف، والعدوانية أو نوبات الغضب غير المعتادة.
2ـ تراجع مفاجئ في المستوى الدراسي أو كثرة الغياب ورفض الذهاب إلى المدرسة.
3ـ اضطرابات النوم أو الشهية، أو ظهور أعراض جسدية متكررة دون تفسير واضح.
4ـ خوف غير معتاد من شخص معين أو رفض الانفراد به.
5ـ ظهور إصابات متكررة أو غير متناسبة مع الرواية المقدمة لتفسيرها.
6ـ تغير مفاجئ في استخدام الهاتف أو وسائل التواصل، أو ظهور خوف شديد عند وصول رسائل أو مكالمات.
7ـ تلقي الطفل تهديدات، أو إصراره على إخفاء نشاط إلكتروني معين، أو طلبه مبالغ مالية بصورة غير معتادة.
8ـ مؤشرات نفسية شديدة مثل الشعور بالذنب، والعزلة، وفقدان الثقة بالنفس أو الحديث عن عدم الرغبة في الحياة.