ظهر مصطلح «ديستوبيا» في القرن التاسع عشر، ومن أشهر استخداماته المبكرة ما جاء على لسان الفيلسوف البريطاني جون ستيوارت مِل في مجلس العموم عام 1868، مقابل «اليوتوبيا» أو المدينة الفاضلة. ومع الزمن، صار المصطلح عنواناً لعوالم متخيَّلة ينقلب فيها حلم الإنسان بالتقدم إلى كابوس من صنعه.
وليس مصادفة أن بعض أعظم روايات العصر الحديث ذهبت إلى المستقبل لتكتب عن مخاوف الحاضر. ففي «1984» لجورج أورويل، تمتد يد السلطة إلى اللغة والذاكرة والحقيقة. وفي «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي، لا يُقهَر الإنسان بالعذاب، بل يُروَّض بالمتعة، حتى يتنازل عن حريته وهو يظن نفسه سعيداً.
لكن لماذا يبدو المستقبل في مخيلة الأدباء والمفكرين أكثر قتامة كلما ازداد الإنسان تقدماً؟
لعل المفارقة أن الإنسان القديم كان يخشى ما لا يستطيع السيطرة عليه: المرض والجوع والوحوش وغضب الطبيعة. أما إنسان اليوم، فأصبح يخشى أشياء صنعها بنفسه: السلاح النووي، والانهيار البيئي، والمراقبة الشاملة، والهندسة الجينية، والآلة التي منحها القدرة على التعلم.
كأن الإنسان، بعدما أمضى آلاف السنين يحاول حماية نفسه من الطبيعة، وصل إلى لحظة يحتاج فيها إلى حماية نفسه من نفسه.
لقد تطورت قدرتنا على الفعل أسرع من حكمتنا في اختيار ما ينبغي أن نفعله، واتسعت المسافة بين قوة اليد ونضج الضمير. فالعلم الذي يستطيع إنقاذ حياة إنسان، يستطيع أيضاً ابتكار وسائل أكثر كفاءة لإنهائها. والتقنية التي قرّبت أطراف العالم، لم تمنع الإنسان من أن يصبح أكثر وحدة، ولا الحقيقة من أن تصبح أكثر هشاشة.
أُعطي الإنسان العقل ففك أسرار المادة، والأرض فاستخرج كنوزها، واللغة فبنى الحضارات، حتى بلغ من القوة والمعرفة ما كان سيبدو لأسلافه ضرباً من المعجزات.
لكن ماذا فعل بكل هذه العطايا؟
هل جعلتنا المعرفة أكثر حكمة، أم أكثر قدرة فقط؟ وهل كل ما يستطيع الإنسان أن يفعله، ينبغي له أن يفعله؟
ربما لا تكون الديستوبيا نبوءة بالخراب بقدر ما هي محاكمة للحاضر. فنحن لا نخشى المستقبل لأنه مجهول فحسب، ربما نخشاه لأننا نعرف الإنسان.
فهل ستلتقط الإنسانية أنفاسها، وتتوقف قليلاً لتراجع ما صنعت وما تصنع؟ أم ستواصل اندفاعها بالمزيد من السرعة والجنون؟
لقد أمضينا قروناً نسأل: إلى أي مدى يستطيع الإنسان أن يتقدم؟
وربما حان الوقت لسؤال أكثر خطورة: أيُّ إنسان هو الذي يتقدم؟