منذ أيام توقفت أمام صورتين عن السعودية نشرتهما الأخبار، في الأولى، خبر عن صاروخ بالستي أطلقه الحوثيون باتجاه الرياض، قبل أن تعلن قوات التحالف اعتراضه وتدميره. وفي الثانية، شوارع تتزين بالأعلام الخضراء، ومدن تستعد لاستقبال اليوم الوطني في 23 من سبتمبر.

سألت نفسي: كيف تحتفل دولة في حين الخطر يقترب من عاصمتها؟ ولم يطل السؤال كثيراً، فقد كان الاحتفال نفسه هو الإجابة.

فمن ينظر إلى المشهد من بعيد يعرف أن الصواريخ والمسيّرات لا تستهدف المنشآت والمدن وحدها، بل تريد أن تصل إلى الناس، وتزرع الخوف في بيوتهم، وتربك حياتهم، وتجعل انتظار الخبر القادم جزءاً من يومهم.

Ad

لكن السعودية تعاملت مع الخطر بحكمة واتزان، وفي الوقت نفسه واصلت حياتها وحافظت على موعد فرحتها. لم تتجاهل ما يحدث حولها، بل رفضت أن تمنحه أكثر مما يستحق.

لهذا يبدو اليوم الوطني السعودي مختلفاً هذا العام. فالاحتفال وسط تصعيد سياسي وعسكري واقتصادي ليس أمراً عابراً، ولا مشهداً منفصلاً عن الواقع، وحماية الوطن لا تعني الدفاع عن حدوده وسمائه فقط، بل حماية حياة الناس وحقهم في أن يعيشوا بصورة طبيعية.

وربما لا يكون هذا المعنى غريباً على تاريخ المملكة، ففي الثالث والعشرين من سبتمبر عام 1932، أعلن المغفور له بإذن الله الملك عبدالعزيز توحيد المملكة بعد رحلة طويلة لم تكن بداياتها سهلة، كانت الجغرافيا واسعة والمسافات بعيدة، غير أن ما كان متفرقاً اجتمع تحت راية المملكة العربية السعودية. ومنذ ذلك اليوم، لم تنتظر المملكة أن تصبح الظروف مثالية حتى تواصل طريقها.

ولهذا لا يحتفل السعوديون اليوم بذكرى مضت فقط، بل ببلد تغير أمام أعينهم. مدن تتوسع، وفرص جديدة، ونهضة واضحة في مختلف المجالات ولا يحتاج الحديث عن هذا التغيير إلى مبالغة، إذ يكفي أن ننظر إلى ما تحقق وإلى أثره الذي تجاوز حدود المملكة.

ومن الكويت، لا ننظر إلى السعودية باعتبارها خبراً خارجياً. فإذا نادت الرياض سُمع الصدى في الكويت. فما بين البلدين يتجاوز الجوار إلى تاريخ وذاكرة ومواقف راسخة. وإذا قلقت الرياض امتد القلق إلى الخليج، وإذا كانت المملكة قوية وآمنة شعر البيت الخليجي كله بالطمأنينة. فهي بحجمها وموقعها وثقلها عمود أساس في هذا البيت.

أما قطر، فيكفي أن تنظر إلى الطريق بين منفذَي سلوى وأبوسمرة لتدرك أن ما بين البلدين أكبر من حدود على الخريطة. تعبره العائلات في الاتجاهين، وتمتد صلات النسب والجوار بين الشعبين. ولهذا يصل اليوم الوطني السعودي إلى الدوحة كفرحة قريبة يشارك أهل قطر أشقاءهم فيها.

وفي مصر، تبدو العلاقة مع السعودية أقدم وأعمق من أن تختصرها زيارة أو بيان رسمي. بين القاهرة والرياض تاريخ طويل ومواقف راسخة، ومصالح تمتد من الاقتصاد والاستثمار إلى السياسة وأمن البحر الأحمر. وحين تتفق الدولتان يظهر أثرهما في المنطقة، لما تمثلانه من ثقل عربي وإسلامي.

لهذا يصل صدى اليوم الوطني من الرياض إلى الكويت والدوحة والقاهرة. وتأتي التهاني هذا العام في حين الأخبار من حول السعودية ثقيلة، لأنها فرحة بوطن يعرف حجم الخطر، ويواجهه، ثم يواصل طريقه.

كل عام والسعودية بخير، قيادة وشعباً، ودامت رايتها خضراء عالية.

*ينشر بالتزامن مع «الأهرام المصرية» و«سبق السعودية» و«الشرق القطرية»