أخذني كتاب الدكتور خالد زيادة إلى عقد الستينيات دون أن أشعر بالملل، بل كنت شغوفاً بتدوينه لتلك المرحلة التي وعيت فيها على الدنيا.

من مدينة طرابلس راح يروي لنا التغييرات والأحداث التي رافقته، بصورة تنم عن نظرة واعية لما حدث، تلك الحبكة التي ربط فيها مشاهد حية من أحداث عايشها، وإلى ما يجري في محيطه العربي.

أسماه «عقد فريد» ليس في حارته وبلدته وبلده، ولكن في العالم أجمع حيث كان شاهداً على تبدلات عميقة وقفزات في العلوم كما في الآداب، عقد لا يتكرر في تحولاته وآماله وخيباته، كان صبياً في الثامنة من عمره خرج منه كهلاً منهكاً في الثامنة عشرة، كأن الستينيات سنوات كثيرة يصعب حصرها وتعدادها.

Ad

من أجمل ما قرأت الفصل الأخير في الكتاب وتحت عنوان آخر أيام الستينيات، وفيه يسرد علاقته بهند واللقاء الذي تم بين صبية ارتدت فستاناً أزرق اللون وشاب يرتدي قميصاً أبيض كي يتعرفا على بعضهما في المقهى، يومها كانت بداية كتابة مقال ثقافي له في صحيفة «المحرر» كل أسبوعين، في تلك الأيام استعرض أحداثاً وقعت في المحيط العربي خصوصاً الانقلاب العسكري في سورية، ووفاة عبدالناصر، وانتخاب رئيس لبناني جديد.

كان يفكر في مقاربة أخرى حول القومية العربية، فقد استشعر تحولاً في الفكرة المركزية التي سيطرت على العالم العربي في العقدين الأخيرين.

يعتقد الدكتور خالد زيادة أن الارتباط بين الأنظمة العسكرية وتحرير فلسطين جعل من هزيمة 1967 هزيمة لفكرة القومية العربية، وبغياب عبدالناصر فإن الفكرة التي عمل من أجل تحقيقها رغم أخطائه وإخفاقاته ومعاركه ستتداعى إزاء ترسيخ الوطنيات الضيقة على حساب فكرة الأمة الواحدة التي كانت أقرب إلى الفكرة المثالية.

يختتم كلامه بالقول: «لم يتبقَّ من العالم سوى أيام قليلة وعقد الستينيات يشارف على نهايته، بدأ مليئاً بالآمال وها هو ينتهي بالانكسارات والخيبات».

فعلاً، استطاع أن ينقلنا إلى عوالم الستينيات بمنظار ذاك الشاب الطموح بأفكاره اليسارية المشاكسة وبمهاراته الفائقة، قدم لنا وجبة فكرية وثقافية جعلتنا أقرب إلى توجهاته وآماله وانكساراته.