واحدة من الخطايا الثابتة في التعامل مع مشكلات الإدارة العامة وأزماتها هي التركيز على معالجة نتيجة المشكلة، لا أسبابها الجوهرية، فيزول أو يخف العرض ويبقى المرض أو يتفاقم مستقبلاً.
فمثلاً، نحن نتعامل مع التستر التجاري أو ما يعرف بـ «التضمين» بوصفه جريمة اقتصادية مع أنه في حقيقة الأمر انعكاس لاختلال في السوق يمنع الوافد من ممارسة العمل التجاري بشكل مباشر، ويعبر أيضاً عن صعوبات بيئة الأعمال المتمثلة في مثلث (قيود التمويل - الأراضي - البيروقراطية) التي تعوق الموظف الحكومي الكويتي عن تجربة الأعمال التجارية، ولو بشكل انتقالي، قبل العمل في القطاع الخاص، ومثلاً آخر نحن نعالج مخالفات العمالة الوافدة بقطع الخدمات لا ببناء مدن العمال المنتظرة منذ عقود.
كذلك الأمر في ما يعرف بمحاربة الشهادات الوهمية والمزورة أو سلسلة بصمات موظفي القطاع العام اللتين لو وُجِد نظام وظيفي يعتمد على كفاءة الموظف وإنجازه لا شهادته أو «دوامه» في التقييم والترقية والمكافئة لما وجدت مشكلة أصلاً.
أتعالج مشكلة الزحام المروري بتوسعة الطرق أو تنظيم الإشارات الضوئية أم برفع كفاءة النقل العام وإعادة تخطيط المدن الجديدة كي لا نتركز في المجمل حول مدينة الكويت ومرافقها؟ وهل يمكن أن يكون لأدوات مثل الضريبة على الأراضي الفضاء أو الرهن العقاري دور في حل القضية الإسكانية إذا لم يواكبها طرح عشرات الآلاف من الوحدات السكنية سنوياً.
هل يمكن فعلاً وضع أي حل لأزمات التعليم العام دون أن تربط المخرجات باحتياجات سوق العمل؟ وكيف يمكن اعتبار أموال الدين العام حلاً لأزمة السيولة إذا لم تواكبها خطط لإصلاح الاقتصاد والمالية العامة؟
بل إن ظاهرة التركيز على معالجة العرض لا المرض لا ترتبط فقط بالإدارة الحكومية بل تصل حتى إلى المطالبات الشعبية، فنجد أن الأغلب يطالب بزيادة مالية للرواتب أو إسقاط للقروض، في حين أن الأجدى والأنفع للطبقة المتوسطة هو المطالبة بمواجهة التضخم والغلاء ومحاربة الاحتكار وعقود التأجير بالباطن وزيادة مساحات المنافسة وتوطين صناعة المنتجات الاستهلاكية بما يخدم المستهلك باستدامة أطول ومنفعة أكبر.
وغالباً ما ينتج هذا التعامل القاصر مع الأزمات وأسبابها، قرارات كثيرة وبروباغندا إعلامية، وحتى ضجة ما بين مؤيد ومعارض، لكنه بالتأكيد لا ينتج حلاً جذريًا أو علاجاً مستداماً.
لا أدري إن كان التركيز على معالجة الأعراض أو الآثار أو استخدام المسكنات مع إهمال أصل المرض مقصوداً أم أنه انعكاس لضعف الكفاءة، والأمثلة كثيرة، لكنه بالتأكيد يعكس حالة اختلال في الإدارة تركز على التعامل السهل مع نتائج الأزمات، وتترك أصلها يتفاقم في المستقبل.