قد يكون من الخطأ الاستراتيجي أن ننظر إلى اقتصاد دُولنا بعد أزمة مضيق هرمز بالمنظور نفسه الذي كان سائداً قبلها. فالأزمات الكبرى لا تعطِّل حركة التجارة والطاقة فحسب، بل تكشف أيضاً عن هشاشة بعض مساراتها، وتدفع الدول والشركات إلى إعادة حساب المخاطر وتنويع الممرات والأسواق ومصادر الإمداد. 

ومن هنا، فإن ما تشهده المنطقة ينبغي ألا يُقرأ باعتباره استجابة ظرفية لأزمة عابرة، بل باعتباره فرصة لإعادة التفكير في خريطة اقتصادية إقليمية أكثر ترابطاً، تمتد من الخليج عبر العراق وسورية والأردن ولبنان إلى شرق المتوسط، ومن ثم إلى أوروبا. 

وفي هذه الخريطة الجديدة، لا تعود الموانئ والمطارات والطُّرق والمناطق الاقتصادية والخدمات اللوجستية مشروعات منفصلة، بل حلقات في شبكة إقليمية واحدة، بما يجعل التكامل مع شرق المتوسط خياراً يستحق أن يدخل بجدية في الحسابات الاستراتيجية الخليجية.

Ad

وفي هذا السياق يأتي التحرُّك المتسارع في شمال لبنان، فقد أطلقت المرحلة التنفيذية لتطوير وتشغيل مطار رينيه معوض في القليعات، ليضيف بُعداً آخر إلى منظومة الربط الجوي والتجاري في شمال لبنان، حيث إن المشروع يتضمَّن تطويراً تدريجياً للبنية التحتية، وإطلاق رحلات دولية منخفضة التكاليف، وإنشاء منظومة للشحن والخدمات اللوجستية.

وفي الإطار نفسه، وافق مجلس الوزراء اللبناني على الدراسات الخاصة بالمركز الصناعي واللوجستي بالمنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، وبدأت الهيئة المشرفة على المنطقة التحضير لتأهيل مطوِّر ومشغِّل دولي، مما يُضيف حلقة إلى منظومة يمكن أن تجمع بين مرفأ طرابلس ومعرضها الدولي والمنطقة الاقتصادية ومسارات النقل البري والجوي الإقليمي.

وفي هذا الاتجاه، تكتسب التطورات السورية أهمية خاصة. فالمشاريع الموقعة، أو المزمع توقيعها، بين شركات خليجية والجانب السوري تشمل قطاعات مهمة وحساسة، بما يمهد لورشة إعادة إعمار كبيرة لا يغيب عنها عنصرا الاستقرار والتكامل الإقليمي مع دول الجوار.

وهنا تظهر الصورة الأوسع: التكامل الخليجي مع شرق المتوسط لا يحتاج بالضرورة إلى ممرٍ واحد، أو مشروعٍ واحد، بل إلى شبكة متكاملة من المشاريع الحيوية والبنى التحتية. وكلما اتصلت هذه العناصر ببعضها، ارتفعت إمكانية انتقال السلع ورؤوس الأموال والخدمات بين الخليج ودول شرق المتوسط، ومنها إلى أوروبا.

ولا شك في أن الطاقة تضيف بُعداً استراتيجياً إلى هذه الخريطة، مع عودة البحث في بعض ممرات النفط والغاز التي تربط العراق وبلاد الشام بشرق المتوسط، وما يمكن أن تُتيحه مستقبلاً من بدائل في النقل والتخزين والتصدير والخدمات المرتبطة بالطاقة، بما قد يُوسع خيارات دول الخليج في الوصول إلى الأسواق وتنويع مسارات التجارة والطاقة.

وبالنسبة للكويت، تكمن أهمية هذه التطورات في قراءتها كمنظومة مترابطة، لا كمجموعة من المشاريع المنفصلة، بما يفتح مجالات للاستثمار في اللوجستيات والتخزين والتوزيع، وخدمات الموانئ والمطارات، والصناعات الغذائية والدوائية، والنقل والحلول الرقمية، ومراكز البيانات والطاقة وتمويل سلاسل الإمداد. 

ومن هذه الزاوية، لا تقتصر الفرصة على الاستثمار في مشروعٍ بعينه، بل في بناء مواقع داخل سلاسل قيمة تمتد من الخليج إلى سواحل البحر المتوسط، بما يجعل رأس المال والخبرة والخدمات الخليجية جزءاً من البنية الاقتصادية لهذه الشبكة الإقليمية، وليس مجرَّد مصدر لتمويل مشروعاتها.

*يُنشر بالتزامن مع صفحة المركز اللبناني الدولي لحوكمة المناطق الاقتصادية