تشهد دولة الكويت تحولاً ديموغرافياً يستحق أن يحظى باهتمام أكبر في رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية للمستقبل. فمع وجود أكثر من 217 ألف صاحب معاش تقاعدي في الوقت الحالي، وفي الوقت الذي يُتوقع فيه أن ترتفع نسبة السكان الذين تبلغ أعمارهم 60 عاماً فأكثر خلال العقود المقبلة، لم تعد قضية التقاعد وتقدم السكان في العمر شأناً اجتماعياً فحسب، بل أصبحت جزءاً من معادلة التنمية والاستدامة الاقتصادية. وعلى الرغم من أن دولة الكويت لا تزال تتمتع بهيكل سكاني شاب نسبياً مقارنة بالدول المتقدمة، إلا أن المؤشرات الديموغرافية تشير إلى دخولها التدريجي في مرحلة التحول نحو مجتمع متقدم في العمر، مما يفرض ضرورة استباقية لتبني سياسات اقتصادية وتنموية مستدامة حتى تستفيد من هذه التحولات بدلاً من التعامل معها كعبء مستقبلي. فالسؤال الذي يجب أن يطرح: كيف يمكن تحويل هذا التحول إلى فرصة اقتصادية واجتماعية؟

وفي هذا السياق، شدّد صندوق النقد الدولي على أهمية اعتماد سياسات تعزز الشيخوخة الصحية وتدعم مشاركة كبار السن في سوق العمل، بما يسهم في إطالة حياتهم المهنية ورفع الإنتاجية وتحفيز النمو الاقتصادي، وجاء ذلك في تقريره الجديد بعنوان «صعود الاقتصاد الفضي: التأثير العالمي لشيخوخة السكان» حيث أكد أن الاستفادة من فرص الاقتصاد الفضي يمكن أن تساعد الدول على تعزيز النمو وتوسيع مواردها المالية في مواجهة التحولات الديموغرافية المتسارعة. ويُقصد بمصطلح «الاقتصاد الفضي» أو «اقتصاد كبار السن» تلك الأنشطة الاقتصادية التي تُمكّن كبار السن من العيش بحياة كريمة صحية ونشطة ومنتجة، أو الأنشطة الاقتصادية المصممة لتلبية احتياجات ومتطلبات الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 عاماً فأكثر. ويشمل هذا المفهوم مجالين جوهريين هما السلع والخدمات التي يستهلكها كبار السن مباشرةً، ومساهماتهم الاقتصادية كأعضاء فاعلين في القوى العاملة.

وتشير البيانات الصادرة عن المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية في الكويت إلى البيانات التالي:

Ad

• عدد أصحاب المعاشات 217,668 متقاعداً ومتقاعدة بنهاية مارس 2026.

• كما أظهرت البيانات أن عدد المؤمن عليهم لدى المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية بنهاية مارس 2026 بلغ 411,108 أشخاص.

• تشكل الفئة العمرية 60 سنة فما فوق نحو%5.9 من إجمالي السكان، وهي نسبة مرشحة للارتفاع إلى%9.4 بحلول عام 2050، في حين ستبلغ نسبة من هم في عمر 65 سنة وما فوق حوالي%6.6 في الفترة ذاتها. 

مما سبق، تقع الكويت في فئة متميزة من حيث الهيكل السكاني الشاب، غير أن هذا الوضع يحمل في طياته تحديات مستقبلية، خاصة في ظل انخفاض سن التقاعد الفعلي إلى 54 عاماً، وهو ثاني أقل سن للتقاعد الفعلي على مستوى المنطقة بعد قطر، بينما يبلغ العمر المتوقع المتبقي عند هذا السن 29 عاماً

ولذلك، من الضروري إصلاح أنظمة التقاعد وسوق العمل في الوضع الراهن ولقد أوصى البنك الدولي، في دراسة خاصة لدولة الكويت، بضرورة إصلاح منظومة مزايا التأمينات الاجتماعية مع التدرج في تطبيق سياسات سوق العمل النشطة، لتيسير انتقال العمال الأكبر سناً بين الوظائف وتشجيعهم على العمل لفترة أطول. وبشكل عام كل سنة إضافية في العمل تمنح المواطن دخلاً إضافياً وتعزز مدخراته للتقاعد، ويساهم تأجيل التقاعد في تعزيز المزايا والحفاظ على رأس المال. ومن المتوقع أن تبلغ تكلفة المعاشات التقاعدية في المالية العامة نحو%3 من إجمالي الناتج المحلي بحلول 2050 من دون إجراء إصلاحات.

وكذلك، من الضروري تطوير قطاع الرعاية الصحية والخدمات المساندة حيث يُعد الابتكار الصحي ورعاية المسنين من أبرز قطاعات الاقتصاد الفضي الواعدة، كما يتطلب ذلك الاستثمار في الرعاية الصحية الوقائية، والمنازل الذكية، وتقنيات مراقبة الصحة، وروبوتات الرعاية الصحية، بهدف خفض تكاليف الشيخوخة وتحسين حياة كبار السن. وقد أظهرت الكويت بالفعل مستوى متقدماً في رضا المواطنين عن أنظمة الرعاية الصحية بنسبة 61%، وهو الأعلى في المنطقة. 

وعلى الرغم من الفرص الواعدة، تواجه الكويت مجموعة من التحديات في تطوير الاقتصاد الفضي، من أبرزها ما يلي:

• انخفاض سن التقاعد الفعلي حيث يبلغ متوسط سن التقاعد في الكويت 54 عاماً، مما يعني فقدان البلاد لخبرات وكفاءات قيمة لسنوات طويلة.

• بسبب محدودية البنية المؤسسية تحتاج الكويت إلى تطوير أطر مؤسسية وتشريعية داعمة للاقتصاد الفضي، رغم وجود قانون حقوق كبار السن رقم (18) لسنة 2016 والاستراتيجية الوطنية لكبار السن (2025-2035) قيد الإعداد.

• تشير البيانات حول الفجوة في التعليم والتدريب إلى أن نسبة رضا المواطنين عن النظام التعليمي لا تتجاوز 24%، مما يستدعي تطوير برامج تعليمية مستمرة تتناسب مع احتياجات سوق العمل المتغيرة.

• ان من أهم التحديات الصحية هو ارتفاع نسب الإصابة بالأمراض المزمنة وغير السارية بين كبار السن مما يتطلب استثمارات كبيرة في الرعاية الصحية الوقائية والعلاجية.

وختاماً وعطفاً على ما سبق نقترح بعض التوصيات لتفعيل الاقتصاد الفضي في الكويت كما يلي:

1) تطوير استراتيجية وطنية شاملة للاقتصاد الفضي تتكامل مع رؤية الكويت 2035، تشمل جميع القطاعات ذات الصلة والاستفادة من منظومة المدن الصحية بالتعاون مع وزارة الصحة بشكل. مباشر.

2) إصلاح أنظمة التقاعد بما يشجع على تعزيز فترة النشاط المهني مع ضمان الاستدامة المالية لأنظمة المعاشات.

3) تحفيز الابتكار في التقنيات المساعدة لكبار السن، مع دعم الشركات الناشئة العاملة في هذا المجال.

4) تطوير برامج تدريبية متخصصة لإعادة تأهيل كبار السن وتحديث مهاراتهم بما يتناسب مع متطلبات سوق العمل الحديث.

5) تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص لبناء بنية تحتية وخدمات موجهة لكبار السن.

6) تشجيع البحوث والدراسات حول الاقتصاد الفضي في السياق الكويتي والخليجي.

 والأهم أن الاستعداد لهذا التحول يجب أن يبدأ قبل أن تصبح تداعياته أكثر وضوحاً، فالدول التي تستبق التحولات الديموغرافية لا تكتفي بإدارة آثارها، بل بتحويلها إلى مصدر للابتكار والنمو وتحسين جودة الحياة. ومن هذا المنطلق، يمكن للكويت أن تجعل من الاقتصاد الفضي أحد مكونات رؤيتها المستقبلية للتنمية المستدامة، بحيث يكون كبار السن مساهمين في العطاء ومشاركين في الإنتاج.

«حفظ الله الكويت وأهلها من كل سوء»

* مستشار اقتصادي في تطوير وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة