في التاريخ أمثلة كثيرة عن ذكاء، أو بالأصح، خبث بعض القيادات الذين يقومون بدعم عدوهم لكي يقاتل عدوهم الآخر، بينما يبقون هم مرتاحين ويفرضون شروطهم في النهاية.
من أشهر الأمثلة التاريخية دعم الأميركان للحزب الشيوعي العراقي في الخمسينيات عبر مجلة «حوار» ثم انكشف أمرها فيما بعد، وأيضاً سماح الصهاينة لإحدى الدول العربية بدعم «حماس» لزيادة الشقاق مع «فتح»، وكذلك دعم الصهاينة وأميركا لإيران في حربها مع العراق فيما يعرف بـ «ايران كونترا»، وفي الديانة المسيحية تم إغراء يهوذا الاسقريوطي بالمال من الرومان لكي يوشي بالمسيح، وفي الديانة اليهودية تم إغراء إحدى زوجات أبناء النبي يعقوب لارتكاب الزنا لتكون النبوة في ذريتها، وهكذا الأمثلة التاريخية كثيرة، واليوم يقوم الصهاينة بتطبيق الخطة نفسها بأساليب متعددة، مثل القيام بإغراء بعض الفلسطينيين والجهلة بالمال والحيلة للهجوم والإساءة لدول الخليج للإيقاع بين الشعبين، ولإيهام الخليج أن الفلسطينيين لا يستحقون الوقوف معهم، كما يقوم الصهاينة بتأجيل العداوة والنوايا الشريرة مع بعض الدول العربية، بينما يضمرون خطة واضحة لإنشاء إسرائيل الكبرى والسيطرة السياسية والاقتصادية على الشرق الأوسط.
وإمعاناً في الخطة الصهيونية اليوم تعلن القيادات الأميركية للعالم أن إيران هي العدو وتشن الحرب عليها ولكن دون القضاء على شوكتها، وما زال ترامب يفكر، حسب تصريحه أمس، هل يقوم بحرب حاسمة وشاملة أم لا؟!، وفي الوقت نفسه يسكت الأميركان والصهاينة عن الحوثيين المدعومين من إيران ويرفضون قصفهم، وقد يقومون بمساعدتهم رغم اعتداءاتهم المتكررة على أصدقاء أميركا وسيطرتهم على باب المندب، فيسارع الحوثيون إلى الإعلان أنهم لن يهاجموا السفن الأميركية ولا الصهيونية.
هكذا يلتفت الأميركان الآن عن إيران والحوثيين رغم قدرتهم على تدميرهم أو إضعافهم بسهولة، ويسكتون عن تحكمهم في أهم ممرين لعبور النفط والتجارة العالمية، فمَن المقصود إذاً؟
واضح أن الصهاينة ومن معهم يمارسون الخطة نفسها، فيستخدمون أحد الأطراف لإضعاف الطرف الآخر أو الضغط عليه، وأن المقصود هو السعودية ودول الخليج لإجبارهم على الخضوع للصهاينة والتطبيع معهم وفتح بلادهم لهم.
ولا يوجد في التاريخ أقبح من دعوة الصهاينة للتطبيع، فهم يحتلون مقدسات المسلمين وأراضيهم ويستحلون دماءهم وبيوتهم، ثم يقولون إذا طبعتم معنا فسنحميكم من طهران.
وهكذا فإن هجوم إيران على الخليج، وهجوم الحوثيين على السعودية، يحققان هذا الهدف الصهيوني، ولو كانوا مسلمين حقاً وملتزمين بمقاومة الصهاينة لوقفوا إلى جانب السعودية والخليج في عدم التطبيع مع القتلة المجرمين، ولسعوا إلى تقوية الجانب الرافض للتوسع الصهيوني رغم وجود خلافات معروفة بينهم.
لذلك فإن الوقوف اليوم مع الكويت والسعودية واجب شرعي ووطني؛ لأن خطة الصهاينة ومَن معهم أوضح من أن تخفى على كل مخلص.
***
انتقل إلى رحمة الله تعالى الأسبوع الماضي الوطني المخلص والعالم في مجال النفط الأخ الكريم د. خالد بودي الذي أبهر الجميع بأخلاقه وعلمه وتواضعه، والذي أعجب الجميع بأبحاثه وآرائه السديدة في مجال تخصصه التي كان تتسابق الصحف لنشرها، والتي كان ينير بها الحاضرين في ديوانيتي المتواضعة أثناء زيارته لها.
رحمك الله يا دكتور خالد رحمة واسعة فقد كنت مثالاً للكويتي العالم المخلص المتدين، وأسكنك الفردوس الأعلى.