يمثِّل المرسوم بقانون رقم 88 لسنة 2026 بإصدار قانون إنشاء الدوائر الاقتصادية نقلةً تشريعيةً إجرائية طال انتظارها في دولة الكويت، إذ يُنشئ بنيةً قضائية متخصصة داخل المحكمة الكلية ومحكمتَي الاستئناف والتمييز للفصل في المنازعات ذات الأثر الاقتصادي، بدءاً من نزاعات هيئة أسواق المال وبنك الكويت المركزي، ومروراً بمنازعات الشركات المساهمة والاستثمار المباشر والشراكة بين القطاعين، وانتهاءً بعقود المقاولات النفطية وبراءات الاختراع وحماية المنافسة. ويستند القانون إلى ثلاث ركائز صريحة في مذكرته الإيضاحية: التخصص القضائي، وتبسيط الإجراءات، والمرونة التشريعية.
المقارنة مع DIFC وADGM
تشترك محاكم DIFC وADGM في كونهما محاكم تجارية دولية تعمل باللغة الإنكليزية، وتطبّق قانوناً موضوعياً مستقلاً مستمَداً من القانون العام (Common Law)، مع قضاة دوليين وإجراءات إلكترونية شاملة (eCourts / eRegistry) وأحكام قابلة للتنفيذ عبر مذكرات تفاهم مع المحاكم المحلية والأجنبية.
أما الدوائر الاقتصادية الكويتية، فقد اختارت نموذجاً مختلفاً: دائرة متخصصة داخل القضاء الوطني الموحَّد، تطبّق القوانين الكويتية الموضوعية النافذة، وتفصل بتشكيل ثلاثي من قضاة وطنيين تتوافر لديهم خبرة اقتصادية أو تدريب متخصص عبر معهد الكويت للدراسات القضائية والقانونية، غير أن القانون تبنَّى عناصر تلاقي أفضل الممارسات في المركزين الماليين، أبرزها:
(أ) اعتماد المنصة الإلكترونية والتقاضي عن بُعد أصلاً، لا استثناءً. (ب) إلزامية مرحلة التسوية والصلح قبل إحالة الدعوى للدائرة خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر. (جـ) إنشاء مكتب فني ومكتب لتهيئة الدعوى بما يُضاهي دور Case Management Office في المحكمتين الإماراتيتين. (د) قاعدة بيانات علنية للأحكام والمبادئ القضائية على غرار Judgments Database في DIFC Courts. (هـ) إدارة تنفيذ متخصصة بربط إلكتروني مباشر مع البنوك وهيئة أسواق المال والتسجيل العقاري.
الأثر على الاستثمار وجذب رؤوس الأموال
من منظور المستثمر الأجنبي، يُعد اليقين القضائي وسرعة الفصل عاملَي ترجيح جوهريَّين في قرار توطين رأس المال. وقد عالج القانون هاتين المسألتين عبر: حصر الاختصاص النوعي (المادة 11)، بما ينهي التنازع بين الجهات القضائية، وتقصير مواعيد الطعن (خمسة عشر يوماً للاستئناف المستعجل، وثلاثون يوماً للتمييز)، وترشيد الطعون، بجعل الأحكام انتهائية دون ثلاثين ألف دينار، ومنح قاضي التنفيذ صلاحيات تحفظية استثنائية، تشمل: تجميد الحسابات، ومنع السفر، ووقف المعاملة المالية عند تهريب الأموال، وهي أدوات مماثلة في جوهرها لصلاحيات Freezing Orders وWorldwide Freezing Orders المعروفة أمام DIFC Courts، وإن كانت أقل توسعاً في النطاق الجغرافي.
الأثر على عمليات الاندماج والاستحواذ
تكتسب صفقات M&A في الكويت بُعداً إضافياً من الأمان القانوني بموجب هذا القانون، إذ باتت المنازعات الناشئة بين المساهمين، وطلبات حل الشركات وتصفيتها، ومحاسبة المديرين في شركات المساهمة أياً كان رأسمالها، والشركات المرخصة من هيئة تشجيع الاستثمار المباشر أياً كان رأسمالها، من اختصاص دائرة متخصصة واحدة، ويكمّل ذلك الإطار التنظيمي القائم بموجب الكتاب التاسع (الاندماج والاستحواذ) من اللائحة التنفيذية لقانون هيئة أسواق المال، الذي يستلزم موافقة الهيئة على مشروع عقد الاندماج قبل توزيعه على المساهمين، ويفرض إفصاحات متدرجة عند كل مرحلة من مراحل الصفقة.
هذا التكامل بين الرقابة السابقة للهيئة والفصل القضائي المتخصص اللاحق يوفر للمستثمر حزمة حماية قريبة في أثرها من نظام Takeover Rules المطبق أمام محاكم المركزين الإماراتيين، مع فارق أن قواعد التنفيذ في DIFC وADGM تتمتع بقابلية تنفيذ عابرة للحدود عبر شبكة اتفاقيات أوسع.
يُمثِّل قانون الدوائر الاقتصادية خطوة تشريعية موفقة تُقرِّب النموذج الكويتي من معايير التقاضي التجاري الحديثة السائدة في DIFC وADGM، من دون التخلي عن خصوصية القضاء الوطني وقوانينه الموضوعية وحُسن تطبيقه، عبر لائحة تنفيذية دقيقة وبرامج تدريب قضائي متواصلة وربط إلكتروني فعَّال، وهو ما سيحدد قدرته الفعلية على تحفيز الاستثمار وتدعيم صفقات الاندماج والاستحواذ وحماية رؤوس الأموال داخل الكويت.
*ممارس بين دولة الكويت ومحاكم مركزَي دبي DIFC وأبوظبي ADGM العالميَّين