تهبط بك الطائرة، تفتح هاتفك فيقول 2026، ثم تنظر إلى الورقة أمامك فتقول إنك في 2019. لم تسافر عبر الزمن، ولم تعد سبع سنوات إلى الوراء، كل ما في الأمر أنك وصلت إلى إثيوبيا.
فبينما نعيش نحن عام 2026، دخلت إثيوبيا منذ أيام قليلة، وتحديداً في 11 سبتمبر، 2019 وفق تقويمها الخاص. مفارقة تبدو طريفة أول الأمر، ثم تزداد غرابةً حين نتذكَّر أن 2019 ليس تاريخاً بعيداً عنا أصلاً. كأننا كنا هناك بالأمس.
قبل «كورونا»، والكمامات والإغلاقات، وقبل أن تدخل كلمات، مثل: «الحجر»، و«التباعد»، إلى تفاصيل أيامنا، نتذكَّر أين كنا ومَنْ كان معنا، ثم نُفاجأ بأن ما يقارب سبع سنوات مضت على ذلك العالم. لهذا، ربما، يبدو بعضنا عالقاً هناك بطريقةٍ ما.
الإثيوبيون بالطبع لم يعودوا إلى الماضي، بل يحسبون الزمن بطريقةٍ أخرى. تقويمهم يستند إلى حساب مختلف لبداية العصر المسيحي، فيفصل بينه وبين الميلادي سبع أو ثماني سنوات، والسنة لديهم ثلاثة عشر شهراً، ورأسها يأتي في سبتمبر لا يناير.
حتى الساعة لها حساب مختلف، فما نُسميه السابعة صباحاً قد يُسمى محلياً الواحدة، ومع ذلك لا تتعطَّل البنوك، ولا تضيع الرحلات بين عامين، ففي التعاملات الخارجية تُستخدم التواريخ الدولية، أو يجري التحويل بينها.
وهنا تتجاوز الحكاية حدود إثيوبيا، قبل أكثر من قرن، زعزع آينشتاين فكرة أن الزمن مطلق، وبيَّن أن قياسه يتأثر بالحركة والجاذبية. أما الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون، فكان مشغولاً بزمنٍ أقرب إلينا، الزمن كما نعيشه، لا كما تقيسه الساعة.
فالساعة تستطيع أن تُخبرنا كم مضى، لكنها لا تستطيع أن تُخبرنا كيف مضى، دقيقة انتظار قد تطول، وعام سعيد قد ينقضي سريعاً، وربما لهذا يبدو 2019 قريباً على نحو مربك.
فكورونا لم تكن مجرَّد حدث وقع داخل الزمن، بل أصبحت عند كثيرين علامة نقيس الزمن بها، نقول «قبل كورونا» و«بعد كورونا»، كأننا صنعنا تقويمنا الخاص. والغريب أن السنوات التي تلتها بدت أسرع، نعرف بالأرقام أن أعواماً مضت، لكن الذاكرة لا تصدق الرقم بسهولة.
وهنا يحضر سينيكا، الذي كتب قبل نحو ألفَي عام عن قِصر الحياة، ليقلب السؤال من طول العُمر إلى طريقة استخدامه، فالمشكلة عنده لم تكن دائماً في قلة الوقت، بل في مقدار ما نهدر منه من دون أن ننتبه.
وربما لو كان بيننا اليوم، لما شغله كثيراً إن كنا في 2019 أو 2026، فالأرقام، في النهاية، لا تقول شيئاً عن الطريقة التي عشنا بها السنوات الواقعة بينها.
لهذا حين نسمع أن إثيوبيا اليوم في 2019، نبتسم أولاً، ثم نتوقف قليلاً، هم في 2019، لأن تقويمهم يقول ذلك، ونحن في 2026، لأن تقويمنا يقول ذلك، لكن ربما لا تكمن المفارقة في اختلاف الرقمين، بل في أننا جميعاً نكتشف متأخرين مدى سرعة عبور السنوات.
وهنا يُصبح السؤال أجمل من الإجابة...
ما الزمن، وما السنوات، سوى لحظات ومحطات تسكن الذاكرة، نعيشها، ثم نلتفت ذات يوم ونسأل: أين ذهب العُمر؟
وربما لم يذهب إلى مكان، كان هنا طوال الوقت، في التفاصيل التي عشناها، وفي اللحظات التي كنا حاضرين فيها، وفي كل ما بقي منها فينا.
*يُنشر بالتزامن مع صحيفتَي سبق السعودية والشرق القطرية