حين نتحدث عن إدارة الخبراء في وزارة العدل، فنحن لا نتحدث عن إدارة هامشية يمكن أن تمر أخطاؤها بلا أثر، بل عن جهاز فني ترتبط تقاريره بقضايا وحقوق وأموال ومصالح متقاضين، وقد تكون الخبرة الفنية فيه عنصراً مؤثراً في مسار الدعوى. ولذلك فإن التخبط في إدارة هذا الجهاز ليس شأناً وظيفياً داخلياً، بل مسألة تمس كفاءة مرفق العدالة. 

ما حدث خلال السنوات الماضية يستحق وقفة جادة ومراجعة لا تجامل أحداً. فمنذ دفعات 2017 وما بعدها، تم قبول أعداد كبيرة من الخبراء، بما يثير سؤالاً مشروعاً: أين كانت دراسة الاحتياج الفعلي؟ وهل كانت هناك قدرة فنية ومكانية حقيقية على استيعاب هذه الأعداد؟ ولماذا لم ترتبط التعيينات بخطة طويلة المدى تضمن استمرار دخول الكفاءات وتجديد الدماء بدلاً من تضخم الأعداد في مراحل ثم إغلاق الفرص في مراحل أخرى؟ والأكثر حساسية هو ما أثير بشأن تدخل المحسوبيات في بعض مسارات الخبرة الفنية. 

وهذه مسألة لا يكفي تجاهلها، بل تستوجب أن تكون معايير الاختبارات والمقابلات والقبول معلنة وواضحة وقابلة للمراجعة، لأن وظيفة الخبير لا تحتمل المجاملة. ثم جاءت موجة الإحالات إلى التقاعد لتكشف تناقضاً آخر: بالأمس قبول واسع، واليوم تفريط بخبرات تراكمت عبر سنوات! التقاعد ليس المشكلة، وإنما التقاعد بلا خطة إحلال. إخراج أصحاب الخبرات قبل تأهيل صف ثانٍ قادر على تسلّم المسؤولية يعني أن الإدارة تهدم بيدها ما بنته خلال عقود. ويزداد المشهد سوءاً مع استمرار الشواغر في المناصب الإشرافية والتأخير في تسكينها. أما البصمة الثلاثية، فهي مثال صارخ على تطبيق القرار الإداري بعيداً عن واقع العمل. 

Ad

الخبير ليس موظفاً مكتبياً طوال يومه، لديه معاينات وانتقالات إلى وزارات وجهات ومناطق نائية وجزر، وبعض المهمات قد تستغرق ساعات. فهل المطلوب إنجاز الخبرة أم مطاردة بصمة الخروج؟ والأغرب التوجه نحو تدوير الخبراء بطريقة قد لا تراعي التخصص الدقيق وطبيعة القضايا. الخبرة ليست «لعبة كراسي»، والتخصص لا يُبنى بقرار نقل، بل بسنوات من الممارسة والتراكم المهني. 

والمشكلة لا تتوقف عند الوزارة، فداخل الإدارة نفسها توجد أسئلة لا تقل أهمية: لماذا يُكلف خبراء بأعمال إدارية يستطيع غيرهم القيام بها؟ ولماذا يُخصص خبراء لمعاونة بعض القيادات ومراجعة التقارير بدلاً من مباشرة نصيبهم الطبيعي من القضايا؟ وكيف تستقيم المراجعة الفنية إذا اختلت مراتب الخبرة والتخصص؟ ثم ماذا عن ضعف بعض التقارير؟ وأين المحاسبة؟ ولماذا لا توجد رؤية موحدة وواضحة في التفتيش الفني؟ وكيف نقبل بتفاوت مستوى التقارير بين الأقسام والمحافظات؟ إدارة الخبراء لا تحتاج إلى ترقيع جديد، بل إلى غربلة إدارية حقيقية. 

نريد كشفاً واضحاً بالأعداد والاحتياجات والشواغر، وخطة إحلال وتقاعد، ومعايير شفافة للتعيين والترقية والتدوير والتفتيش، ومحاسبة المقصر مهما كان موقعه. فالمشكلة لم تعد بصمة أو تدويراً أو شاغراً وظيفياً. المشكلة أصبحت سؤال إدارة: من يدير الخبراء؟ وبأي خطة؟ وإلى أين تتجه واحدة من أهم الأذرع الفنية لمرفق العدالة؟ إنها جزء من منظومة العدالة، وأي تخبط فيها قد يدفع ثمنه في النهاية المتقاضي والعدالة معاً.