لا نختلف مع وزير التربية سيد جلال الطبطبائي في أن إصلاح التعليم يبدأ من مواجهة الخلل بشجاعة، ولا نجادله في أن التطوير المنشود لن يستقيم ما دام الجسد التعليمي يحمل شحوماً زائدة تتجاوز 33 ألف معلم ومعلمة من الوافدين في تخصصات تفوق حاجة المدارس، مما يثقل كاهل الوزارة بغير طائل، وعليه يأبى المنطق والأمانة كلاهما أن نخطِّئ قراراً صائباً قام به الوزير أو أن نلومه عليه.
ومن هذا المنطلق، فإن الخطوات الاستراتيجية التي تشهدها وزارة التربية اليوم لإعادة تنظيم المنظومة التعليمية وتطويرها، وربطها الاحتياجات الفعلية بالكفاءات الوطنية، خطوة مستحقة تُحسب للوزير، بل نتمنى أن تحذو باقي جهات الدولة حذوها في مراجعة اختلالاتها وتصويبها.
ومع إقرارنا بخطوة الطبطبائي، وإشادتنا بشجاعته وتصديه لمواطن الخلل، فإننا نرى أن التوقيت الذي خرج فيه القرار إلى النور كان بحاجة إلى مراجعة وإعادة نظر، فإنهاء خدمات أكثر من 7 آلاف معلم ومعلمة مع بداية العام الدراسي، وإن استند إلى دراسة واحتياج فعلي، أربك حياة أسرٍ بنَت استقرارها على دخل ثابت، فوجدت الأرض تميد فجأة من تحت أقدامها، بلا مهلة تلتقط فيها أنفاسها، بعدما جاءت من بلادها وتكبدت عناء السفر ونفقاته، فضلاً عما أنفقته على سكن احتفظت به طوال أشهر الصيف، اعتقاداً بأن قراراً مثل هذا لن يصدر بين عشية وضحاها.
لسنا هنا لإلغاء القرار أو تعطيل خطة الوزارة أو الدفاع عن استمرار الفائض، بل لطرح مقترح واحد: تأجيل التنفيذ حتى نهاية العام الدراسي، فالقرار الصائب لا يفقد صوابه إن أُرجئ تنفيذه أشهراً قليلة، فبضعة أشهر إضافية لن تُبقي الفائض قائماً إلى أجل غير مسمى، ولن تُعطّل مسار الإصلاح، لكنها ستمنح هذه الأسر مهلة تعيد فيها ترتيب أوراقها المبعثرة، نفسياً ومادياً واجتماعياً، كي تستعد لمرحلة جديدة بأقل قدر من الاهتزاز، فضلاً عما تمثله تلك المهلة المقترحة من وداع يليق ببلد العمل الإنساني الذي يشهد بأياديه البيضاء القاصي والداني.
كما تزداد الحاجة إلى مثل هذا التأجيل حين نتذكر أن كثيراً ممن شملهم القرار لديهم أبناء يدرسون في الكويت، وعلى كواهلهم التزامات أسرية وقروض مصرفية بُنيت على دخل وظيفي كان قائماً إلى الأمس القريب.
هؤلاء المعلمون والمعلمات، عاشوا بيننا، ووقفوا سنوات داخل فصول مدارسنا، وعلموا أبناءنا، وأسهموا في بناء أجيال شاركت في نهضة الكويت، فشكراً لكل معلم ومعلمة أدوا رسالتهم، وتحملوا أمانة تعليم أبنائنا، وكانوا جزءاً من مسيرة التعليم في الكويت، ومثل هؤلاء لا يستحقون أن تُطوى ملفاتهم بهذه الطريقة القاسية على غرة منهم وبغير استعداد أو تأهب.
نحن مع الوزير في مواجهة الفائض والتخلص من التضخم الوظيفي، ومع كل قرار يضع مصلحة التعليم أولاً، لذلك نقول له: امضِ في الإصلاح ولا تتراجع عن معالجة الفائض، لكن ما يليق ببلادنا وبوزير إصلاحي مثلك أن يُمنح هؤلاء المعلمون فرصة حتى نهاية العام، فالقرار الصحيح حين يُنفَّذ في توقيته المناسب، يصبح أكثر إنصافاً وأخف جرحاً.