ثمة وجع لا يصدر صوتاً. وجع أن تكون في المكان، ولا تكون في الوعي. أن يجلس جسدك بين الأجساد، وتمرّ العيون فوقك كما تمرّ الريح فوق شيء مهمل، لا تتوقف، لا تسأل، لا ترتجف. في تلك اللحظة لا يكون الألم في الجرح وحده، بل في أن الجرح لم يجد عيناً تعترف به، ولا قلباً يقول لصاحبه: رأيتك. ليس أقسى ما يصيب الإنسان أن يتألم، بل أن يتألم خارج انتباه العالم، أن يتحول اسمه إلى حالة، وصوته إلى ملف، ووجهه إلى رقم. 

المريض لا يخاف المرض وحده، يخاف أن يُختزل في سرير. وذو الإعاقة لا يوجعه العجز وحده، يوجعه أن تُرى إعاقته قبل أن تُرى إنسانيته. والسجين لا يوجعه القيد وحده، يوجعه أن يظل ماضيه يطارد اسمه. والمتعافي لا يخشى الانتكاسة فقط، يخشى أن تبقى نظرات الناس سجناً آخر. والمرأة المعنفة لا تحتاج شفقة تزيد صمتها، تحتاج اعترافاً يرد إليها صوتها. والطفل مجهول النسب لا يفقد اسماً في الورق فحسب، يفقد أول مرآة تقول له إنه مرغوب. 

هنا تبدأ المأساة الصامتة: لا حين يُهان الإنسان باليد، بل حين يُهان بالنظر الغائب. لا حين يُنفى من المكان، بل حين يبقى في المكان ولا يُرى. لقد اعتدنا أن نسميهم «الفئات الهشة»، وكأن الهشاشة تخصهم وحدهم، وكأننا نحن الواقفين على ضفة القوة مكتملون، سالمون، بعيدون عن الكسر، لكن الهشاشة ليست نقصاً في الكائن البشري، إنها الحقيقة الأولى التي نحاول أن نخفيها بثياب القوة. كلنا بدأنا عاجزين، معلقين على يد أخرى، وكلنا سنعود، في مرض أو فقد أو شيخوخة، إلى منطقة عارية لا تنفع فيها الألقاب ولا المناصب.

Ad

الإنسان الهش ليس أقل من الإنسان القوي، هو فقط يقف الآن في موضع سنقف فيه جميعاً يوماً ما. الفرق بيننا وبينه ليس فرق قيمة، بل فرق لحظة. والكرامة ليست منحة تُعطى للإنسان حين يكون قوياً أو تُسحب منه حين يكون ضعيفاً، الكرامة أصل فيه. لا يصنعها الآخرون، لكنهم يستطيعون أن يطفئوها بالتجاهل، أو يوقظوها بالنظرة العادلة. لأن هذا الإنسان ليس حالته، وليس عجزه، وليس ماضيه. هذا الإنسان أوسع من كل ما حدث له. 

لقد تعلمت من الهشين أن القوة الحقيقية ليست في الذين لم ينكسروا، بل في الذين انكسروا ولم يفقدوا إنسانيتهم، وأن أعمق ما نقدمه لإنسان ليس مالاً ولا برنامجاً ولا خدمة، بل يقيناً هادئاً يصل إلى قلبه: أنت مرئي. أنت لست عبئاً. وهناك، في اللحظة التي يرى فيها الإنسان إنساناً آخر بلا حكم، تبدأ الكرامة من جديد.