استكمالاً لموضوعاتنا حول الترجمة، حيث إن شهر سبتمبر يُصادف فيه يوم الترجمة الدولي، سنتطرَّق في مقالنا هذا عن دور المترجم، ورحلة المعنى في عصر الذكاء الاصطناعي. 

لقد أحدث الذكاء الاصطناعي تغييراً عظيماً في مجال الترجمة. فقد أصبح بالإمكان ترجمة الرسائل والوثائق والمحادثات بصورة سريعة، حتى من أولئك الذين يجدون صعوبة في اللغات الأجنبية. لكن الترجمة ليست دائماً نقل كلمة مقابل كلمة. فبين لغةٍ وأخرى تعيش ثقافة، وسياق، ونبرة، وخوف، وألم، وحق، ومسؤولية. وقد تفهم الآلة المفردة، لكنها لا تُدرك دائماً ما وراءها، ولا تشعر بإحساس الكاتب حينها. ففي زمن أصبحت الآلة تترجم نصوصاً في ثوانٍ، اعتقد البعض أن المترجم البشري يقترب من نهايته ومن الممكن استبداله. لكن السؤال المهم في هذا السياق هو ليس مَنْ يترجم أسرع؟ بل مَنْ يفهم أكثر؟ ومَنْ يتحمَّل مسؤولية المعنى عندما تكون الكلمة مرتبطة بحق إنسان أو صحته أو حُريته أو كرامته؟

المترجم الحقيقي يحمل أمانة الإنسان من لغةٍ إلى أخرى. يسمع ما قِيل، ويُدرك ما يريد قوله، ويفرِّق بين المعنى الحرفي والمعنى المقصود، ويعرف أن بعض الكلمات لا يجوز التعامل معها كبيانات جامدة. لهذا تصبح الترجمة في مجالات حقوق الإنسان أكثر حساسية. فاللاجئ الذي يروي قصة تهديد، والعامل الذي يقدم شكوى، والمرأة التي تتحدث عن تعرضها للعنف، والمريض الذي يحاول وصف ألمه، والمتهم الذي يدافع عن نفسه... جميعهم يحتاجون إلى ما هو أكثر من برنامج ترجمة. يحتاجون إلى مَنْ يفهم السياق، ويحترم الخصوصية، ويحافظ على السرية، وينقل الكلام من دون تحريف أو إهمال.

Ad

ومن أخطر القضايا المرتبطة بالترجمة بالذكاء الاصطناعي مسألة الخصوصية. وهنا يجب أن نسأل: أين تذهب البيانات؟ ومَنْ يستطيع الوصول إليها؟ وكيف يتم حفظها؟ وهل يعرف صاحب النص أن كلماته انتقلت إلى نظام إلكتروني قد يعالجها أو يحتفظ بها؟ فالخصوصية حق إنساني أصيل.

إن الدفاع عن دور المترجم البشري لا يعني رفض الذكاء الاصطناعي أو الخوف منه. على العكس، يمكن للتقنية أن تكون أداة مساعدة في يد المترجم، تعاونه في مجال البحث، والمراجعة، والمصطلحات، وتسريع العمل، والوصول إلى مصادر واسعة. لكن الخطر يبدأ حين ننتقل من استخدام التقنية إلى تسليمه كامل المسؤولية.

ختاماً، يجب تأهيل المترجمين أنفسهم لفهم أدوات الذكاء الاصطناعي، لا باعتبارها تهديداً لمهنتهم، بل باعتبارها مسؤولية جديدة تُضاف إلى مسؤولياتهم.

* مترجمة وكاتبة وفنانة تشكيلية