عندما نخدم اقتصادات الآخرين بأيدينا لا أحد يدافع عن التستر التجاري، ولا أحد يعترض على محاسبة المخالفين، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول معالجة المخالفات الفردية إلى سياسة عقابية تطال سوقاً كاملاً.
فهل نريد فعلاً إصلاح الاقتصاد ومحاربة التستر، أم أننا نبحث عن أسهل الحلول عبر المزيد من المنع والعقوبات والتضييق؟ لا يمكن تفعيل قانون بهذا الحجم وهذه العقلية العقابية في بيئة اقتصادية تعاني أصلاً من الركود، وارتفاع تكاليف التشغيل، وتعقيد الإجراءات، وضعف جاذبية السوق مقارنة بالدول المجاورة.
فكرة أن نعاقب سوقاً كاملاً بسبب مخالفات يرتكبها شخص أو اثنان ليست إصلاحاً اقتصادياً، بل هي عقاب جماعي سيدفع ثمنه آلاف التجار وأصحاب المشاريع والعاملين معهم. وسنشهد خلال الأيام والفترة المقبلة الكثير من المشاريع التي ستغلق أبوابها، أو تنقل نشاطها ورؤوس أموالها إلى الدول المجاورة التي تفتح أبوابها للمستثمر، وتمنحه التسهيلات والمرونة والاستقرار.
وهنا تكمن المفارقة: المفروض أن نكون نحن المستفيدين من هذه المشاريع والأموال، لا أن نقدمها على طبق من ذهب إلى الاقتصادات المنافسة. كل مشروع يغادر الكويت يعني رأسمالاً يغادر، ووظائف وإنفاقاً وإيجارات ورسوماً ومشتريات ونشاطاً اقتصادياً تنتقل فائدته إلى دولة أخرى. والأسوأ أننا نفعل ذلك بأيدينا، ثم نتحدث عن تنويع مصادر الدخل وتحويل الكويت إلى مركز مالي وتجاري، كيف نريد أن نصبح مركزاً تجارياً ونحن نضع أمام المستثمر المزيد من الحواجز؟!
إذا أردنا القضاء الحقيقي على التستر، فالحل ليس معقداً: أعطِ المستثمر الأجنبي حق تملك الرخصة التجارية بنسبة 100% من دون الحاجة إلى شريك كويتي صوري، وفق ضوابط واضحة، واجعله مسؤولاً بصورة مباشرة أمام الدولة عن نشاطه والتزاماته.
وأعطِه كذلك حق التملك العقاري المرتبط باستثماره، وفق تنظيم قانوني مدروس، حتى يشعر بأن الكويت بلد يستطيع الاستثمار والاستقرار والتوسع فيه، وليس مجرد محطة مؤقتة يغادرها عند أول تشريع يهدد مصالحه. فأي منطق يقول للمستثمر: تعال بأموالك، افتح مشروعك، وظّف، ادفع الإيجارات والرسوم، وحرك السوق، ثم نضع أمامه منظومة من القيود ونتوقع منه البقاء؟ العالم تغير، والمنطقة تغيرت، والمنافسة الخليجية على المستثمر أصبحت شرسة. المستثمر اليوم لديه خيارات كثيرة، ورأس المال لن ينتظرنا حتى ننتهي من البيروقراطية والتجارب التشريعية. رأس المال لا يحمل جواز سفر عاطفياً، إذا شعر بأن البيئة طاردة، فسيحزم أمواله ويرحل.
نحن بحاجة إلى قوانين تجذب رأس المال، لا قوانين تدفعه نحو المنافسين. حاربوا التستر، وشددوا العقوبات على المخالف الحقيقي، ولكن لا تحوّلوا الاقتصاد كله إلى متهم. لأن استمرار هذه العقلية يعني ببساطة أننا نصنع بيئة طاردة للاستثمار، بينما الدول المجاورة تنتظر لاستقبال المشاريع التي نخسرها. فلا تستغربوا غداً عندما نرى محلاً يغلق هنا، وشركة تنتقل من الكويت، ومشروعاً يفتح أبوابه في دولة مجاورة. عندئذ سيكون اقتصادنا هو الخاسر، والمنافس هو المستفيد، وسنكتشف متأخرين أن بعض قوانيننا لم تحارب التستر بقدر ما ساهمت في تصدير الاستثمار.