لعدة عقود، ارتبطت جراحة استئصال اللوزتين عند الأطفال بشكل أساسي بعلاج التهابات البلعوم المتكررة. فكان الطفل الذي يعاني تكرار التهاب اللوزتين، وارتفاع الحرارة، والحاجة المتكررة للمضادات الحيوية، وغياب متكرر عن المدرسة، من أكثر الحالات التي يُفكَّر فيها بإجراء عملية إزالة اللوزتين.
لكن الطب الحديث غيَّر هذه النظرة بشكل كبير. فقد أصبح واضحاً أن دور اللوزتين لا يقتصر على الالتهابات فقط، بل إن تضخمهما قد يؤثر على مجرى التنفس أثناء النوم، مما يجعل الطفل قد يعاني من اضطراب مهم يُعرف طبياً باسم الاختناق التنفسي أثناء النوم.
عندما تكون اللوزتان واللحمية الخلف أنفية متضخمتين، قد يُحدث ذلك ضيقاً في مجرى التنفس العلوي أثناء النوم، فتتكرر محاولات الجسم لاستعادة التنفس الطبيعي. ورغم أن الطفل يبدو نائماً، فإن نومه يكون متقطعاً وغير عميق، مما يحرمه من مرحلة النوم العميق الضرورية لنمو الدماغ والجسم.
قد يظن بعض الآباء أن الشخير عند الأطفال أمر طبيعي، لكن الشخير اليومي أو الشخير بصوت مرتفع ليس دائماً ظاهرة بسيطة. فقد يكون علامة على وجود مشكلة في التنفس أثناء النوم، خصوصاً إذا ما صاحبه التنفس المستمر من الفم، مع النوم المضطرب، والتعرق الليلي، وتوقف التنفس لفترات قصيرة، والصداع، وصعوبة التركيز، مع الإحساس بالتعب خلال النهار، أو تغير في السلوك والتحصيل الدراسي.
وقد أثبتت الدراسات أن اضطرابات النوم عند الأطفال لا تؤثر فقط على الراحة الليلية، بل قد تمتد آثارها إلى النمو، والانتباه، والتعلم، والحالة النفسية، وجودة الحياة بشكل عام. فالطفل الذي لا يحصل على نوم صحي قد يعاني من أعراض تشبه فرط الحركة أو ضعف التركيز، فيما يكون السبب الحقيقي هو اضطراب في النوم والتنفس.
ولهذا شهدت أسباب إجراء جراحة اللوزتين تغيراً واضحاً خلال العقود الماضية. ففي السابق كانت معظم العمليات تُجرى بسبب الالتهابات المتكررة. أما اليوم، فأصبحت مشاكل التنفس أثناء النوم من أهم الأسباب التي تدفع الأطباء إلى تقييم الطفل وإجراء العملية عند الحاجة.
وتبقى جراحة استئصال اللوزتين علاجاً فعالاً للأطفال الذين يعانون من الاختناق التنفسي أثناء النوم بسبب تضخم اللوزتين واللحمية الخلف أنفية، ولكن القرار يجب أن يكون مبنياً على تقييم طبي دقيق لكل حالة، لأن الهدف ليس إجراء العملية للجميع، بل اختيار الطفل الذي لا يستجيب للتدخل الدوائي.
إن تطور جراحة اللوزتين يعكس تطور فهمنا لصحة الطفل، فلم نعد ننظر إلى اللوزتين فقط كمصدر للالتهابات، بل كجزء من منظومة التنفس والنوم التي تؤثر على نمو الطفل ومستقبله.
الرسالة لكل أب وأم: الشخير اليومي المستمر عند الطفل ليس دائماً أمراً عادياً. والنوم الصحي ليس رفاهية، بل هو أساسي للنمو السليم، والتعلم، وتطور الدماغ.
* رئيس كلية الأنف والأذن والحنجرة
وجراحة الرأس والرقبة، معهد الكويت للتخصصات الطبية.
باحث، قسم الأبحاث، معهد دسمان للسكري.