استعادت أسعار العقود الآجلة لمزيج خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل خلال الأسبوع الماضي، للمرة الأولى منذ نحو شهرين، مدفوعة بتفاقم الأوضاع الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتجدد المواجهات بين روسيا وأوكرانيا، لاسيما الهجمات التي تستهدف منشآت الطاقة، كما أضافت التهديدات التي تواجه عبور النفط الخام والمنتجات البترولية عبر البحر الأحمر علاوة مخاطر كبيرة إلى أسعار النفط الخام. 

في الوقت ذاته، وحسب تقرير صادر عن شركة كامكو إنفست، أدى شح الإمدادات في أسواق المنتجات المكررة إلى تفاقم الضغوط على السوق بصفة عامة، ودفع هوامش التكرير وفروق أسعار منتجات الديزل والبنزين ووقود الطائرات إلى مستويات مرتفعة بصورة استثنائية في حوض الأطلسي وأوروبا.

ويضمن تضافر القيود المفروضة على مسارات الشحن والانخفاض الحاد في مستويات مخزونات المنتجات المكررة بقاء أسواق النفط شديدة التأثر بالصدمات الجيوسياسية المفاجئة، ونتيجة لذلك يتجه العملاء في الصين وسنغافورة حالياً إلى شراء النفط الخام من مناطق بعيدة في أميركا اللاتينية وغرب إفريقيا، في حين ترسل كوريا الجنوبية منتجاتها المكررة إلى أوروبا عبر مسار أطول يمتد لنحو 19000 كيلومتر.

Ad

وشملت أبرز التطورات على الجبهة الجيوسياسية زيادة التصعيد العسكري على نطاق واسع النطاق في منطقة الشرق الأوسط وشرق أوروبا، واتسع نطاق المواجهات البحرية في الشرق الأوسط بصورة كبيرة، إذ هاجمت إيران عدداً من السفن التجارية وناقلات النفط بالقرب من مضيق هرمز، رداً على الضربات الأميركية التي استهدفت أسطولها. 

وفي الوقت ذاته، تصاعدت حدة الأعمال العدائية في المنطقة مع شن هجمات واسعة بالطائرات المسيرة والصواريخ على السعودية، استهدفت منشآت الطاقة التابعة لشركة أرامكو وخط أنابيب شرق-غرب الحيوي، ومن جهة أخرى تواصلت الحرب بين روسيا وأوكرانيا، مع شن هجمات حديثة بالطائرات المسيرة على منشأتين لمعالجة مكثفات الغاز في روسيا، إلى جانب هجوم استهدف ميناء نوفوروسيسك، أكبر موانئ روسيا على البحر الأسود، والمناطق المحيطة به، ما يهدد بفرض مزيد من الضغوط على تدفقات السلع الأساسية من المنطقة.

أما على جانب الطلب فقد شكل ارتفاع أسعار النفط الخام واستمرار اختناقات سلاسل الإمداد رياحاً معاكسة قوية، ما أدى إلى تراجع الطلب، وفقاً لأحدث توقعات منظمة أوبك ووكالة الطاقة الدولية، كما خفضت إدارة معلومات الطاقة الأميركية توقعاتها لنمو الطلب في عام 2026 هامشياً ضمن أحدث تقاريرها عن آفاق الطاقة قصيرة الأجل، ويأتي ذلك في ظل الضغوط الهبوطية التي يفرضها ارتفاع تكاليف الوقود وحالة عدم اليقين الاقتصادي الأوسع نطاقاً على الاستهلاك الصناعي واستخدام الوقود في قطاع التجزئة عبر الاقتصادات الكبرى.

وعلى جانب العرض، تراجعت إمدادات النفط الخام من دول أوبك خلال أغسطس 2026، لتفقد أكثر من نصف المكاسب التي سجلتها في الشهر السابق، حيث سجل إنتاج النفط في السعودية أدنى مستوياته منذ عام 1990، وشهدت إيران انخفاضاً حاداً خلال الشهر، في حين أعلن كل من العراق وفنزويلا زيادة كبيرة في الإنتاج. من جهة أخرى، وصل إنتاج النفط في الولايات المتحدة إلى مستوى قياسي بلغ 13.86 مليون برميل يومياً خلال الأسبوع الأخير من أغسطس 2026، بعد أن سجل نمواً متواصلاً على مدى الأسابيع الخمسة السابقة.

الاتجاهات الشهرية لأسعار النفط

وشهدت أسواق الطاقة ارتفاعاً حاداً منذ بداية الشهر، في أعقاب التصعيد العسكري والهجمات التي استهدفت ناقلات النفط في الشرق الأوسط، ما أدى إلى تحول معنويات السوق بعيداً عن حالة التفاؤل الدبلوماسي التي سادت سابقاً. ومع تنامي توجهات العزوف عن المخاطر في بداية الأمر، ارتفعت الأسعار بصورة مطردة، مدفوعة بتصاعد المخاوف من تعطل الإمدادات واحتدام التوترات البحرية، وخلال الأسبوع الأخير، تسارعت وتيرة ارتفاع الأسعار بقوة نتيجة الاختناقات الحادة التي شهدتها الإمدادات الفعلية، وفي مقدمتها القيود الصارمة على حركة الملاحة البحرية عبر الممرات الحيوية في المنطقة، إلى جانب استمرار تعرض ناقلات الوقود التجارية للهجمات. 

ودفع الزخم الصعودي عقود خام برنت الآجلة لتتجاوز الحاجز النفسي البالغ 100 دولار للبرميل، وتصل إلى ما يزيد على 109 دولارات للبرميل الخميس، وهو أعلى مستوى لها منذ الأسبوع الأخير من مايو 2026، مدفوعة بمجموعة من العوامل شملت أيضاً انخفاض مستويات المخزون لكل من النفط الخام والمنتجات المكررة، ومع ذلك تراجعت الأسعار بنسبة 2.8 في المئة لتستقر عند 104.6 دولارات للبرميل عند إغلاق الأسبوع، بعد أن قيم المتعاملون احتمالية الاستئناف السريع للإمدادات عبر خط أنابيب سعودي كان قد تعرض لأضرار، إلى جانب الجهود التي يبذلها وزراء خارجية في الشرق الأوسط للتوصل إلى اتفاق مؤقت مع إيران.

وعلى صعيد الاتجاهات الشهرية للأسعار، ارتفع متوسط أسعار النفط الخام في أغسطس 2026 بعد تراجعه على مدار شهرين متتاليين في يونيو ويوليو 2026، إذ ارتفع متوسط سعر العقود الفورية لمزيج خام برنت بنسبة 8.7 في المئة، ليصل إلى 90.7 دولارا للبرميل في أغسطس 2026، من جهة أخرى سجل متوسط سعر سلة أوبك المرجعية مكاسب أقل نسبياً بلغت نسبتها 4.2 في المئة، ليصل إلى 86.4 دولارا للبرميل في أغسطس 2026، مقابل 83 دولارا في يوليو 2026. 

وسجلت أسعار خام التصدير الكويتي أدنى زيادة شهرية بين خامات النفط الثلاثة، إذ ارتفعت هامشياً بنسبة 0.9 في المئة، لتصل إلى 82.8 دولارا للبرميل في المتوسط خلال أغسطس 2026. وفيما يتعلق بتقديرات الإجماع، شهدت توقعات الأرباع الثلاثة المقبلة ارتفاعاً واسع النطاق، بما يعكس صعود الأسعار خلال الأسابيع القليلة الماضية، وبلغت تقديرات الإجماع لأسعار مزيج خام برنت للربع الثالث من عام 2026 نحو 85 دولارا للبرميل، مقابل تقديرات بلغت 82.25 دولارا في الشهر السابق، كما ارتفعت تقديرات الربعين التاليين مقارنة بتوقعات الشهر الماضي.

الطلب العالمي على النفط

من المتوقع أن ينمو الطلب العالمي على النفط بمقدار 0.4 مليون برميل يومياً في عام 2026، ليصل في المتوسط إلى 105.84 ملايين برميل يومياً، بما يعكس تعديلاً طفيفاً بالخفض مقارنة بتقديرات منظمة أوبك السابقة. ووفقاً لتقرير «أوبك»، من المتوقع أن يتراجع طلب الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وغير الأعضاء بمقدار 67 ألف برميل يومياً و123 ألفا على التوالي.

وبالنسبة لعام 2027، من المتوقع أن ينتعش الطلب العالمي على النفط وينمو بنحو 2.4 مليون برميل يومياً على أساس سنوي، ليصل في المتوسط إلى 108.19 ملايين برميل يومياً، بعد تعديل التقديرات السابقة ورفعها، ومن المتوقع أن يدعم هذا النمو في عام 2027 ارتفاع الطلب بمقدار 0.4 مليون برميل يومياً في الدول الأعضاء بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وزيادته بمقدار 1.9 مليون برميل يومياً في الدول غير الأعضاء بالمنظمة.

كما خفضت وكالة الطاقة الدولية توقعاتها للطلب في عام 2026 ضمن أحدث تقاريرها الشهرية، مشيرة إلى أن هذا يمثل أكبر انكماش يشهده الطلب العالمي منذ الجائحة، في ظل تأثير ارتفاع أسعار الديزل على معدلات الاستهلاك. ووفقاً للتقارير، تجاوز متوسط أسعار الديزل في الولايات المتحدة حاجز 6 دولارات للغالون للمرة الأولى على الإطلاق، مما دفع الحكومة الأميركية إلى فرض قيود على الصادرات، في حين تجاوز متوسط سعر الديزل في الاتحاد الأوروبي 2.11 يورو للتر. 

وقد عدّل تقرير وكالة الطاقة الدولية، الصادر في سبتمبر 2026، تقديراته لانكماش الطلب العالمي على النفط لعام 2026 بزيادة قدرها 940 ألف برميل يومياً مقارنة بتقرير أغسطس من العام نفسه، ليصل إجمالي الانخفاض المتوقع إلى 2.5 مليون برميل يومياً، وإضافة إلى ذلك تم تعديل توقعات تعافي الطلب لعام 2027 بالرفع بمقدار 200 ألف برميل يومياً، لتصل إلى نمو قدره 2.6 مليون برميل يومياً.

وفي الوقت ذاته، تتوقع إدارة معلومات الطاقة الأميركية، في تقريرها لآفاق الطاقة قصيرة الأجل الصادر في سبتمبر 2026، أن يصل الطلب العالمي على الوقود السائل إلى 102.59 مليون برميل يومياً في عام 2026، في تعديل بالخفض مقارنة بتقديراتها السابقة. ويعكس هذا التعديل استمرار الاضطرابات الجيوسياسية والضغوط الهيكلية على الاقتصاد الكلي التي تؤثر على الاستهلاك العالمي. 

أما في عام 2027 فتتوقع الإدارة انتعاش الطلب على النفط ليصل إلى نحو 104.98 ملايين برميل يومياً، وتشير الإدارة إلى أنه على الرغم من بقاء الطلب ضعيفاً نسبياً في الأجل القصير فإن عودة تدفقات التجارة العالمية إلى مستوياتها الطبيعية واستقرار بيئة الاقتصاد الكلي خلال العام المقبل من شأنهما دعم نمو الاستهلاك بقوة.

إمدادات النفط الخام

وأبقت منظمة أوبك في أحدث تقاريرها على توقعاتها السابقة لإنتاج السوائل النفطية للدول غير المشاركة في ميثاق التعاون المشترك، مرجحة نموه بمقدار 0.64 مليون برميل يومياً، ليصل في المتوسط إلى 54.8 مليون برميل يومياً في عام 2026. ولا يزال هذا النمو متركزاً بصفة رئيسية في الأميركتين، بقيادة الولايات المتحدة والبرازيل وكندا والأرجنتين، لكنه على الرغم من ثبات الأرقام الإجمالية، شهد توزيع الإنتاج بين المناطق تغيراً، إذ قابلت التعديلات بالرفع لتوقعات إنتاج الأميركتين بالكامل تخفيضات في تقديرات إنتاج الشرق الأوسط. 

ويستمر هذا الاتجاه في عام 2027، إذ من المتوقع أن ينمو إنتاج السوائل النفطية للدول غير المشاركة في ميثاق التعاون المشترك بمقدار 0.62 مليون برميل يومياً، ليصل في المتوسط إلى 55.5 مليون برميل يومياً، كما توقعت إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن يسجل إنتاج الولايات المتحدة من النفط الخام مستوى قياسياً يبلغ 13.8 مليون برميل يومياً في عام 2026، ويعزى هذا النمو بصفة رئيسية إلى إنتاج حوض بيرميان، الذي يقدر بنحو 6.8 ملايين برميل يومياً، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار العالمية في تحفيز أنشطة الحفر.

من جهة أخرى، سلطت وكالة الطاقة الدولية الضوء على القيود الحادة التي تواجه إمدادات النفط الخام العالمية نتيجة استمرار الجمود الجيوسياسي في منطقة الخليج. وخفضت الوكالة توقعاتها بصورة حادة، إذ تتوقع حالياً تراجع إجمالي إمدادات النفط العالمية بمقدار 5.7 ملايين برميل يومياً في عام 2026، ليصل في المتوسط إلى 100.7 مليون برميل يومياً، بتعديل إضافي بالخفض قدره 1.3 مليون برميل يومياً مقارنة بتقديرات الشهر السابق. 

كما تأجل رسمياً التعافي الكامل لإنتاج الشرق الأوسط، والذي كان من المتوقع سابقاً أن يبدأ في أواخر عام 2026، وتتوافق تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية مع هذا الإطار الزمني، إذ أشارت إلى أنه على الرغم من احتمال تحسن التدفقات عبر مضيق هرمز ومسارات التصدير البديلة تدريجياً، فمن المرجح أن تؤدي القيود المستمرة على البنية التحتية وحركة الملاحة البحرية إلى إبقاء إنتاج المنطقة دون متوسطات ما قبل الصراع حتى الربع الثاني من عام 2027.

ويفرض هذا العجز الممتد في الإمدادات اعتماداً غير مسبوق على المخزونات العالمية، إذ تراجعت المخزونات العالمية المرصودة بأكثر من 500 مليون برميل منذ بداية الصراع الإقليمي، بما في ذلك انخفاض حاد بلغ 95 مليون برميل خلال أغسطس 2026 وحده، ما فرض ضغوطاً شديدة على منظومة التكرير العالمية وجعلها أكثر عرضة لمزيد من الشح في الأسواق.