المَشاهد التي نراها عبر وسائل الإعلام حول ما يجري من عبث سياسي وعسكري على خشبة مسرح منطقة الخليج هي نفس المَشاهد العبثية التي قرأناها في مسرحية «في انتظار جودو». فمنذ أن بدأت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل حربهما ضد إيران في فبراير الماضي حتى اليوم، لا نستشعر تقدُّماً يُذكر بمصير هذه الحرب، وكأنها حرب بكاتم للصوت، أو بلا أسنان، أو هي حرب شعواء مع وقف التنفيذ. فتصريحات السياسيين المكرَّرة والمُعادة باتت انعكاساً لطبيعة هذه الحرب الغريبة، مما أصاب شعوب العالم بالملل، لأنها بدأت بهدف تحقيق الأمن لدول المنطقة، فوصل بنا الأمر إلى دخول العالم كُله في حالة عدم الاستقرار والخوف مما هو مقبل. ومنذ الأيام الأولى لهذه الحرب لم يُبدِّل كبار السياسيين، من ذوي الارتباط بهذه الحرب، من مفردات تصريحاتهم.

فهم يكررون الجُمل نفسها التي بدأوا باستخدامها قبل ستة أشهر، فعجزنا عن فك رموز خطاباتهم المتشابهة، وعن تحليل طلاسم تصريحاتهم المتكررة، ولا ندري إن كانت الحرب قد انتهت بالفعل، أم أنها مازالت مستمرة، ولا نقدر على فهم الوضع الحقيقي لمستقبل المنطقة، فنحن لا ندري إن كانت الحرب قد أهلكت إيران لتستسلم، ولا نعرف إن كانت المفاوضات قد توقفت، أم أنها مستمرة أو ستتواصل. فمنذ بداية هذه الحرب والغربيون يتوعدون إيران بتدمير برنامجها الصاروخي وأسطولها البحري، ثم بعدها بشهرين أخبرونا بأن التهديد الإيراني قائم، ثم بعدها ببضعة أيام أحاطونا علماً بأن المواجهات العسكرية مع إيران انتهت، لكن تهديدها لايزال قائماً وكبيراً، وبعدها بعشرة أيام فقط استمعنا إلى تصريحات تتعلَّق بأن الحرب مع إيران ستنتهي قريباً، وفي الوقت نفسه ذكرت وكالات الأنباء الغربية أنه لم يعد هناك شيء لمهاجمته في إيران.

ويبدو أن لعنة التصريحات المكررة قد انتقلت إلى الإيرانيين، الذين انضموا لفرقة حسب الله، عندما كان المسؤولون الإيرانيون يكررون مثل «الكورس» في الفرقة الموسيقية، كذباً وزوراً أنهم لا يريدون الحرب، وأنهم سيردون على أي اعتداء بقوة، بعد أن وسَّعوا دائرة الحرب إلى باب المندب، مدَّعين أن موقفهم دفاعي. ففي الوقت الذي كانت البوارج الأميركية تقصف مواقع عسكرية في إيران، كان الحرس الثوري يُطلق صواريخه ومسيَّراته حتى يومنا هذا على دول الخليج العربية. ويبدو أن دولاً أخرى انجرفت إلى تكرار تصريحات سمعناها منذ اللحظات الأولى للحرب، مثل: الوضع في المنطقة متوتر بالفعل... نحن ضد أي تصعيد عسكري ونؤيد الحوار بين جميع الأطراف... السلام هو الخيار الأفضل... ويجب على القوى الكبرى تحمُّل مسؤولياتها.

Ad

‏ورغم استمرار التوتر في المنطقة منذ فبراير الماضي، فإن السبب الرئيسي لهذه الحرب انتقل من محاولة القضاء على المشروع النووي الإيراني، الذي كان مصدر تهديد لدول المنطقة، إلى التورُّط في مشكلة مضيق هرمز، ثم مضيق باب المندب، حتى صارت هذه المضائق الاستراتيجية مصدر تهديد لكل دول العالم. ولا ندري إلى متى سينتهي هذا التوتر في المنطقة، ولا متى سيتوقف السياسيون عن تصريحاتهم المكررة والمملة، وكأنهم يتعمَّدون مواصلة تهديد حياة البشر على مسرح الواقع العبثي، تماماً كما هذه الحرب العبثية، هذا إن لم تكن الدول الكبرى تتعمَّد توريط دول منطقة الخليج بها.