نسافر في هذه الدنيا للعمل والدراسة والسياحة، ونشاهد عشرات الأفلام والمسلسلات التي تظهر لنا في أميركا تحديداً، جوانب من الحياة داخل أحياء مستنسخة بالكامل من الصين في كل شيء، ما عدا العملة التي يتم تداولها في البيع والشراء، تلك التجربة تستحق أن نتوقف عندها قليلاً ونستخلص منها بعض الدروس والعبر.

وتعود الخلفية التاريخية لتأسيس الأحياء الصينية في دول العالم إلى موجات الهجرة الصينية الضخمة في القرن التاسع عشر، نتيجة الفقر والاضطرابات السياسية في جنوب الصين، مما دفع بمئات الآلاف إلى الهجرة للعمل بالمناجم ومشاريع السكك الحديدية العابرة للقارات في أميركا وكندا، وجذبت ولاية كاليفورنيا الأميركية وأستراليا آلاف الصينيين الباحثين عن الذهب في خمسينيات القرن التاسع عشر، مما أدى إلى ظهور نواة أول حي صيني في سان فرانسيسكو.

كان تأسيس تلك الأحياء في البداية عفوياً، كمنطقة حماية اجتماعية للمهاجرين، ومع مرور الوقت تحول ذلك إلى عملية ممنهجة أوجدتها القوانين العنصرية والتخطيط الاقتصادي وليس الصينيين أنفسهم كما كنا نعتقد.

Ad

واجه المهاجرون الصينيون تمييزاً عنصرياً شديداً وقوانين تمنعهم من تملك العقارات خارج نطاق ضيق، مثل قانون «إقصاء الصينيين» لعام 1882م في أميركا، والذي حظر منحهم الجنسية وحدد جغرافياً الأماكن التي يُسمح لهم بالعيش فيها، مما أجبرهم على التكتل معاً لإنشاء جيوب عرقية آمنة، وتجمع المهاجرون الأوائل في شوارع محددة لإنشاء مطاعم، ومغاسل، وبقالات توفر احتياجاتهم الخاصة، وتطور الأمر لتحول تلك الأحياء إلى محطة تساعد القادمين الجدد في العثور على عمل.

بعد زلزال سان فرانسيسكو عام 1906م وتدمير الحي بالكامل، خطط رجال الأعمال الصينيون بشكل ممنهج لإعادة بناء الحي بطراز معماري يحمل الروح الصينية الكلاسيكية خاصة الفوانيس الحمراء، وكانت تلك استراتيجية تسويقية لجذب السياحة وتغيير النظرة السلبية عن الحي، وهو النموذج الذي انتشر لاحقاً في بقية الأحياء الصينية حول العالم.

تلك التجربة الصينية، التي تحمل الطابعين الاقتصادي والثقافي قبل كل شيء، تستدعي منا ونحن نشاهد أحوال المهاجرين العرب أن نطرح السؤال: لماذا لم نسلك مثل هذا الطريق وهو الأكثر قدرة على جمع الناس حول مصالح وروابط أكثر صلابة وتأثيراً على صانع القرار في بلدان لا تعرف العمل الفردي؟

وأعلم جيداً أن مثل تلك الأحياء موجودة في أميركا الجنوبية وبعض الولايات الأميركية، وتحمل الطابع العربي في كل شيء، ولكن ما أعنيه هو أن نخرج من قالب الحي العربي من بلد واحد أو الحي العشوائي، إلى إنشاء أحياء عربية بهوية وتصميم واحد، تضم جميع المهاجرين العرب ليس كمقر سكن ولكن كمنطقة تجارية، وتلك المهمة ليست مستحيلة لأنها بيد أصحاب الأعمال الذين يستطيعون تنفيذ النموذج الأول للحي العربي، خصوصاً أننا في زمن أصبح التواصل فيه أسهل من أي وقت مضى.

إن لدى الصينيين أسلوب حياة خاصاً، وكذلك الإيطاليين والهنود والمكسيكان... إلخ، والعرب أيضاً لديهم أسلوبهم وطعامهم وموسيقاهم المميزة، وهم كجيل ثالث ورابع لا يريدون أكثر من استحضار هويتهم في البلد الذي ولدوا فيه.

أخيراً قد يكون الحي العربي بمواصفات الحي الصيني هو بوابة تجميع الأصوات العربية في قالب مؤثر على أصحاب القرار في البلدان التي لا تعمل بدون أحزاب وتكتلات ووسائل أعلام مؤثرة.