تتشابك التطورات العسكرية الميدانية في جنوب لبنان مع الحسابات السياسية والانتخابية في إسرائيل لترسم مشهداً بالغ الحساسية والتعقيد عقب إغلاق باب تقديم القوائم الحزبية لخوض انتخابات الكنيست، حيث يمثل تفجير مجمع مرتفعات علي الطاهر ذروة استعراض القوة الذي يوظفه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لفرملة تراجعه الانتخابي ومحاصرة الصعود السريع لرئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت، الذي بات يمثل التهديد الأكبر والبديل الأكثر واقعية وحظوظاً لقيادة الحكومة الإسرائيلية القادمة.
وتكتسب سلسلة تلال علي الطاهر المشرفة على مدينة النبطية مكانة جغرافية وعقائدية حاكمة، استثمر فيها حزب الله بالتعاون مع إيران على مدار نحو عقدين لبناء مجمع قيادي وتحصينات تحت أرضية معقدة بلغت أطوالها نحو خمسة آلاف وأربعمئة متر موزعة على ثمانية مسارات مجهزة بمستودعات صواريخ موجهة وطائرات مسيرة انتحارية واستطلاعية وعبوات ناسفة ومدافع مضادة للطائرات.
وخاض الجيش الإسرائيلي عبر الفرقة السادسة والثلاثين وتشكيل الكوماندوز ووحدتي يهلوم وإيغوز عمليات دقيقة استمرت قرابة ثلاثة أشهر فوق الأرض وتحتها، حسمت المعركة ضد عشرات المسلحين وانتهت باستخدام أكثر من ألف ومئة طن من المتفجرات لنسف المجمع بالكامل ليلة الجمعة الثالث عشر من سبتمبر، محدثة هزة ارتدادية سجلتها المراصد الزلزالية بقوة تجاوزت 4 درجات على مقياس ريختر، لتثبيت ما يسمى بالمنطقة الأمنية في الجنوب اللبناني.
لم يكن توقيت الإعلان عن حسم معركة علي الطاهر معزولاً عن الأجندة الدعائية لرئيس الحكومة، إذ تعمد نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس توظيف هذا الحدث، بالتوازي مع ظهوره الاستعراضي من قمم جبل الشيخ ومباهاته باحتلال وفرض حزام وسيطرة أمنية في قطاع غزة وجنوب لبنان والجنوب السوري، في محاولة حثيثة لاستدراج إيران إلى صدام واسع وخلط الأوراق الإقليمية، بهدف إعادة تعبئة اليمين وتصوير نفسه كقائد أمني لا بديل عنه وصرف الأنظار عن محاكمات الفساد ولجان التحقيق في الإخفاقات العسكرية. غير أن هذه الاندفاعة النارية تصطدم بجدار صلب تعكسه الخريطة الحزبية واستطلاعات الرأي عقب إغلاق القوائم، والتي تكشف عن مأزق تاريخي يواجه معسكر نتنياهو في مقابل تفوق استراتيجي لغادي آيزنكوت وحلفائه المحتملين.
تظهر خريطة القوائم وفرص تجاوز نسبة الحسم المقدرة بثلاثة وربع في المئة انقساماً حاداً، ففي دائرة الأحزاب الوازنة والضامنة للتمثيل، يتصدر حزب يشار بقيادة غادي آيزنكوت المشهد بحصوله على ما بين ثلاثة وعشرين إلى خمسة وعشرين مقعداً، مستقطباً كتلاً تصويتية وازنة من يمين الوسط ومخترقاً قواعد الليكود التقليدية.
في المقابل، يعاني حزب الليكود بزعامة نتنياهو من هبوط ملموس يضعه بين عشرين واثنين وعشرين مقعداً، نزولاً من مقاعده السابقة، ليفقد للمرة الأولى مكانته بوصفه الحزب الأكبر في التوقعات العامة. وإلى جانب آيزنكوت في صفوف المعارضة، يحتفظ حزب بياحد بزعامة نفتالي بينيت بحضور قوي يتراوح بين ثلاثة عشر وخمسة عشر مقعداً مشكلاً جسراً لليمين الليبرالي، بينما يضمن تحالف «الديموقراطيون» بين العمل وميرتس بقيادة يائير غولان نحو عشرة مقاعد، ويحافظ حزب إسرائيل بيتنا بقيادة أفيغدور ليبرمان على ثمانية إلى تسعة مقاعد.
أما في المعسكر الموالي لنتنياهو، فتستقر الكتل الحريدية المتمثلة في شاس ويهدوت هتوراة عند سبعة إلى ثمانية مقاعد لكل منهما، إلى جانب سبعة إلى ثمانية مقاعد لحزب عوتسما يهوديت بقيادة إيتمار بن غفير.
وتكمن نقطة الضعف القاتلة لمعسكر نتنياهو في جبهة الأحزاب المهددة بالسقوط، فقائمة عمخا يسرائيل بقيادة العميد احتياط عوفر فينتر، المحسوبة موضوعياً على اليمين المتمرد، تتأرجح بصورة حرجة للغاية بين ملامسة أربعة مقاعد وبين السقوط التام بنسبة تقل عن 3 في المئة، مما يهدد بحرق عشرات الآلاف من الأصوات اليمينية في حال عجزت عن عبور العتبة.
وينسحب هذا الخطر أيضاً على تحالف الصهيونية الدينية وزهوت بقيادة بتسلئيل سموتريتش وموشيه فايغلين الذي يتأرجح عند أربعة إلى خمسة مقاعد، بالإضافة إلى قائمة الاحتياط والحزب الاقتصادي ليوعاز هندل ويارون زليخا، في وقت تأكد فيه خروج أحزاب أخرى تماماً من الحسابات مثل حزب نوعم يسرائيل وحزب أزرق أبيض لبيني غانتس، الذي انهار تمثيله إلى نحو 1.3 في المئة بعد انقضاض آيزنكوت على كتلته السابقة.
وتجعل آلية نسبة الحسم من معدل التصويت العام سيفاً مصلتاً على رقبة نتنياهو، فكلما ارتفعت نسب المشاركة، ارتفع العائق الرقمي أمام أحزاب اليمين المشتتة، مما يحرم معسكره نهائياً من ملامسة حاجز الواحد والستين مقعداً ويجعل حظوظه في تشكيل الحكومة في أدنى مستوياتها.
في قلب هذا الانسداد البرلماني، تبرز القوائم العربية كبيضة القبان الاستراتيجية التي تحسم مصير الكنيست، إذ يضمن تحالف الجبهة الديمقراطية والعربية للتغيير والتجمع نحو عشرة مقاعد متجاوزاً العتبة بأريحية، في حين تستقر القائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس عند نحو خمسة مقاعد. يمنح هذا التمثيل النواب العرب وزناً مرجحاً يصل إلى خمسة عشر مقعداً، وهو ما يضع مفاتيح الحسم الفعلي بيد آيزنكوت الذي يمتلك مسارات ومناورة سياسية أوسع بكثير من نتنياهو المحاصر بين حلفائه المتطرفين.
تتفرع مسارات المرحلة القادمة لتشكيل الحكومة الإسرائيلية إلى ثلاثة سيناريوهات رئيسية، تمنح جميعها آيزنكوت الأفضلية السياسية والعملياتية. يقوم السيناريو الأول على ولادة حكومة تغيير تعتمد على القوائم العربية لإقصاء نتنياهو وقطع الطريق على استمراره، وتتحقق إما عبر انضمام القائمة الموحدة بزعامة منصور عباس مباشرة للائتلاف كما حدث سابقاً، أو الاكتفاء بشبكة أمان برلمانية وتأييد خارجي لتخفيف الحرج الأيديولوجي عن قوى يمين الوسط في المعارضة كبينيت وليبرمان، وهو خيار يتيح لمعسكر آيزنكوت الوصول إلى الأغلبية المطلوبة بحساب المقاعد الإجمالية.
أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر واقعية وترجيحاً لكسر الجمود، فيتمثل في مبادرة آيزنكوت لتشكيل حكومة أقلية مؤقتة، وهو ما يعرف بتكتيك السبعة وخمسين مقعداً. بموجب هذا التكتيك، يشكل آيزنكوت حكومة تستند إلى قاعدة صلبة قوامها 57 عضواً يهودياً من أحزاب المعارضة، وتنال ثقة الكنيست عبر تصويت النواب العرب لصالحها أو امتناعهم التكتيكي عن التصويت لإسقاط نتنياهو دون أن يكونوا جزءاً من الحقائب الوزارية.
وتكمن القوة الاستراتيجية لهذا الخيار في نزع صفة رئيس الوزراء الانتقالي من يد نتنياهو وطرده من مقر رئاسة الوزراء، مما يفقده السيطرة على جهاز الحكم وأجهزة الأمن ومسارات التحقيق، ويوجه صدمة عنيفة لحزب الليكود والأحزاب الحريدية تدفع نواباً من داخلها للانشقاق أو الالتحاق بالحكومة القائمة لتثبيتها وتحويلها إلى أغلبية برلمانية مستقرة ومريحة.
ويتجسد السيناريو الثالث في قيام حكومة وحدة وطنية صهيونية واسعة تستبعد نتنياهو تماماً، حيث تتلاقى كتل المعارضة المتصدرة بقيادة آيزنكوت وبينيت وليبرمان مع حزب الليكود بعد تحييد رئيسه، ودون الحاجة للاعتماد على الأحزاب العربية أو الخضوع لابتزاز بن غفير وسموتريتش.
ويتعزز هذا السيناريو مع تنامي الضغوط والحديث عن إمكانية إنضاج صفقة قضائية تنهي محاكمات نتنياهو الجنائية مقابل اعتزاله النهائي للحياة السياسية إما قبيل الاقتراع أو فور ظهور النتائج الصادمة لعجزه عن نيل الأغلبية، الأمر الذي سيفكك قيود الليكود ويجعله يهرول للاندماج في ائتلاف صلب يقوده آيزنكوت، لتنتهي بذلك محاولات نتنياهو لتوظيف دوي انفجارات علي الطاهر وجبال لبنان في إعادة إنتاج حكمه، ولتؤول القيادة إلى رئيس الأركان الأسبق الذي يمتلك الأرقام والتحالفات والخيارات التكتيكية الأكثر حظاً لوراثة المشهد السياسي.