نشرت جريدة «الجريدة» خبر الحكم الصادر، الثلاثاء الماضي، ضد ميرابو رئيس جمعية المصرفيين السويسريين السابق، بالسجن سنتين مع وقف النفاذ لجرائم فساد وغسيل الأموال مع فهد الرجعان مدير «التأمينات» السابق، حيث تسلم فهد رشوة تفوق 101 مليون دولار مقابل قيامه باستثمار أصول «التأمينات» في صناديق يديرها مصرف السويسري ميرابو الذي كان شريكاً فيه! 

وعليه ثبت في الشرع السويسري أيضاً الفساد المالي لفهد الرجعان جنباً إلى أحكام صدرت عليه في الكويت من قضايا كان تقريرنا في إحداها سبباً للإدانة، وهو تقرير ما كان له أن يأخذ مجراه القانوني حينئذٍ لولا رجال أصحاب ضمائر حية، لا يخشون في الحق لومة لائم، رئيس الديوان براك المرزوق، والوكيل المساعد سليمان الزيد، اللذان رفعا التقرير إلى مجلس الأمة منذ أن وضعناه بين أيديهما. هذا التقرير تطلب إعداده ستة أشهر كشفنا فيه تورط الرجعان في التلاعب بتداولات الخيارات لسوق «اس-آند- بي500»، أخطر أدوات استثمارية في العالم، محققاً خسائر قاربت المليار دولار في سنة مالية واحدة 95/96، حيث فاقت أسرع خسائر تداولاته أربعمئة وستين مليون دولار في ثلاثة أشهر فقط، وتعدت أكبر خسائره خمسمئة وثلاثين مليون دولار نتيجة تسوية أكثر من خمسة عشر ألفاً من العقود المستقبلية وخيارات الأسهم، في تسوية تطلبت تسييل أفضل أصول لـ «التأمينات»، كسندات الخزانة الأميركية، قاربت قيمتها ستمئة وستين مليون دولار. 

الجدير بالذكر أنه خلال تلك الفترة كان معظم أصول التأمينات الاجتماعية لا يغطي مخاطر العقود المفتوحة، أي أنه كان يخاطر بمعظم أموال المتقاعدين، وهو ما يجعلنا اليوم، وبعد صدور الحكم السويسري برشوة الرجعان، نقول إنه لم يكن ليعرِّض «التأمينات» لهذه المخاطر لولا حصوله على مصالح شخصية كالرشوة! علما بأننا أشرنا في التقرير، قبل ثمانية وعشرين عاما، أنه تعمد ممارسة تجاوزاته في فترة عدم اكتمال مجلس إدارة «التأمينات» وعدم انعقاده وتعطيل اختصاصاته واختصاصات لجنة الاستثمار العليا، لينفرد شخصياً بالقرارات دون ضوابط ولوائح! 

Ad

وبعد إرسال التقرير إلى مجلس الأمة واندلاع فضيحة بعض أجزائه في الصحف اشترى الرجعان ذمم صحافيين للطعن في التقرير، وذمم نواب أيضا، ودفع إلى أكبر بنكين استثماريين في العالم لإصدار تقارير خاوية تبرر ما فعل، فطالبنا المرزوق بالرد على الصحف وإحالة التقرير للنيابة، فلم يقبل لعدم جواز ذلك بالقانون، فقام وزير المالية بتشكيل لجنة محايدة من الهيئة العامة للاستثمار اجتمعت معنا في البداية، ثم أصدرت تقريراً مختصراً من عدة ورقات طابقت نتائج تقريرنا. 

انتهى الأمر بالتجديد للرجعان مديراً لـ «التأمينات» لقربه من السلطة آنذاك، رغم إدانته مالياً، فقدمنا استقالتنا من الديوان، وبعد مرور أحد عشر عاماً تقريباً، قام عضو سابق بمجلس إدارة «التأمينات» بتقديم تقريرنا للنيابة التي استدعتنا للإدلاء بشهادتنا ضد الرجعان، فتمت إدانته وأحيل للقضاء وحُكِم عليه وهرب إلى الخارج وسُجِن مساعده الذي أثبتنا تورطه ليُدان معه بالقضية! 

القشور التي قلناها اليوم لا تعدو أن تكون لقطة من سيناريو جريمة مالية في غاية التعقيد يجب أن تتاح تفاصيلها للعامة، ولا تخلو من لحظة مضحكة حين افتعل المتهم الثاني محاولة سقوطه مغشياً عليه في المحكمة بعد المرافعة الرائعة ضد المتهمين لوكيل النيابة أ. حمود الشامي زلزل بها أركان قاعة المحكمة في إحدى الجلسات التي أمرتنا النيابة بحضورها. كل ذلك جعلنا مؤخراً نبدأ بوضع تفاصيل هذه الجريمة في كتاب «نن-فكشن» لأحداث واقعية تضم اعترافات المجرم لأحد أصدقائه، لنروي فيه قصة سارق ومرتشي التأمينات. 

***

إن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي.