«جَلَبَتْ جَلَبَةً ثُمَّ أقْلَعَتْ»، أي صاحت صيحة ثم أمسكت، فهي كالسحابة تبرق وترعد، ولكن مع كثرة هذه «الجَلَبَة» فقد انقشعت من دون حتى قطرة ماء، فهو مثل يطلق على الجبان كثير «الجَلَبَة»، عالي الصراخ، يتوعد بالويل والثبور وعظائم الأمور، وعندما ينقشع غبار معركته تجده مختبئاً وراءك، إنها صفة مذمومة عند الله وعند عباده.
فالله سبحانه ذمّ صراحة مَن يُكثر القول والادعاء ثم يتخلّف عن فعله، في قوله: «كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ».
أما التراث العربي فهو زاخر بالأمثال والأقوال الشبيهة بمثلنا، ومنها: «ذَبُوبُ الرَّيْقِ، كَثِيرُ الصَّلِيلِ»، وهو مثلُ يُضرب في حاد اللسان كثير الجَلبة، و«رَعْدَةٌ بَارِقَةٌ وَلا مَطَرَ»، و«انْتَفَخَ صَوْلَاً وَتَفَرَّقَ دَوْلاً»، وهو مثلُ يُضرب لمن يصول ويجول استكباراً، ولكنه بلا حول ولا قوة، وشبيهه «يَصُولُ كَالأَسَدِ وَيَرُوغُ كَالرَّوَاغِ»، فهو يراوغ ويتجنب مجابهة القوي لجبنه، و«مَنْ كَثُرَ نَهِيُهُ قَلَّ صَنِيعُهُ».
وهذا بيت قيل لمن يدّعي القوة والشجاعة:
زَعَمْتَ بَأَنَّكَ لَيْثُ غَابٍ بَاسِلٌ
فَهَلَّا عَدَوْتَ عَلَى غُرَابٍ أَبْقَعِ؟
في هذا البيت سخرية وتهكُّم، فحين يقال زعمت فهو تشكيك في قول ما لا دليل عليه ولا صحة له، أي هو ادّعاء، والغراب الأبقع هنا هو الغراب الضعيف الذي فيه بياض وسواد.
وهذا قولٌ لشاعر يصف فيه من يرى نفسه في منامه شجاعاً:
يُرَاعُ إِذَا طَارَتِ الذُّبَابَةُ خَوْفاً
وَيَفْزَعُ مِنْ صَوْتِ هَبِّ الرِّيَاحِ
يَرَى نَفْسَهُ فِي المَنَامِ شُجَاعاً
فَيَسْتَيْقِظُ المَرْءُ بَكَّاءَ الصَّبَاحِ
مثلُنا «جَلَبَتْ جَلَبَةً ثُمَّ أقْلَعَتْ» ينطبق تماماً على العدو الإيراني الغادر بشكل صريح وجليّ، وسلوكه ينطبق عليه القول العربي: «أسد عليّ وفي الحروب نعامة»، أو المثل القائل: «يستأسد على جيرانه ويستنوق أمام أعدائه»، أي يجبُن أو يتحاشى مواجهة أعدائه.
فإيران تتجنب المواجهة المباشرة مع أميركا وإسرائيل بكثرة صخبها وشعاراتها النارية الحماسية ضدهما، رغم علمها اليقين بمساهمة إسرائيل الفعلية في كل هجمات أميركا عليها، مكتفية باعتداءاتها على جيرانها المسالمين، وفاردةً عليهم عضلاتها الزائفة.
وصدق مَن قال: «لا يَغُرَّنَّكَ جَوْهَرُ القَوْلِ حَتَّى تَخْتَبِرَ جَوْهَرَ الفِعْلِ»، و«الشَّجَرَةُ العَقِيمُ كَثِيرَةُ الظِّلالِ»، فمظهرها ضخم، لكنها خالية من النفع والجدوى، و«الوَقَارُ فِي الصَّمْتِ، وَالنَّقْصُ فِي كَثْرَةِ الصَّخَبِ»، و«الإناء الممتلئ لا يُصدر صوتاً عند تحريكه، بينما تشتد جلبة الإناء الفارغ».