اختفى مسلسل تلفزيوني في ثقب أسود من الذاكرة. عُرض «الطريق إلى 11 سبتمبر» مرة واحدة فقط، قبل عقدين، ثم اختفى. لم تعرضه شبكة ABC منذ ذلك الحين، ورفضت إصداره على أقراص أو توفيره للتنزيل، كما لا تعرضه أي خدمة بثّ.
يكاد الأمر يوحي أن هناك من لا يريدك أن تشاهده.
شاهد ملايين الأميركيين هذا العمل عام 2006، في الذكرى الخامسة لهجمات 11 سبتمبر. عُرض على مدى ليلتين من دون فواصل إعلانية، وكان مصدر إلهامه الرئيسي التقرير النهائي للجنة 11 سبتمبر، وهي اللجنة التي شكّلها «الكونغرس» للتحقيق في الهجمات الإرهابية.
يقول المسؤول التنفيذي السابق في «ABC»، كوين تايلور، الذي ابتكر فكرة المسلسل: «قلة قليلة من الناس قرأت التقرير. كان هدفنا أن نضعه في غرف المعيشة الأميركية، وأن نجعل الناس يفكرون».
أنفقت «ABC» أكثر من 40 مليون دولار على المشروع، واستعانت بنجوم مثل هارفي كيتل وباتريشيا هيتون ودوني والبرغ. وكانت هناك فكرة لعرض المسلسل سنوياً باعتباره خدمة عامة، بهدف تذكير الأميركيين بإخفاقات الأمن القومي التي سمحت لأسامة بن لادن بإيصال الموت والدمار إلى الولايات المتحدة، وإبقاء البلاد في حالة يقظة.
شاهدت «الطريق إلى 11 سبتمبر» قبل 20 عاماً، وكتبت عنه بإيجابية، ثم أعدت مشاهدته أخيراً. وما زلت أراه عملاً قوياً في تصويره الدرامي لما حدث.
تبدأ القصة بتفجير مركز التجارة العالمي عام 1993، ثم تنتقل إلى هجمات القاعدة على السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا، وعلى المدمرة «يو إس إس كول» في اليمن، وتنتهي بما كان بن لادن وأتباعه يسمونه «عملية الطائرات».
ويتتبع المسلسل أيضاً قصة جون أونيل، عميل الـ «FBI»، الذي أمضى سنوات في مطاردة الإرهابيين، ثم قُتل في مركز التجارة العالمي يوم 11 سبتمبر. كما يبرز الصراعات البيروقراطية داخل الحكومة الفدرالية. ويمكن تلخيص رسالته بالجملة التي يقولها هارفي كيتل، الذي يؤدي دور أونيل: «رغم كل إشارات التحذير، لا أحد يأخذ الإرهاب على محمل الجد».
لكن عدداً كبيراً من الديموقراطيين أخذ المسلسل على محمل الجد، ولكن بطريقة مختلفة، فبدلاً من اعتباره فرصة للتعلم من أخطاء الماضي، رأوا فيه هجوماً سياسياً.
اعترضوا على الإيحاء بأن الرئيس بيل كلينتون كان مشتتاً بسبب فضيحة مونيكا لوينسكي، وعلى تصوير مسؤولين في إدارته وهم يعرقلون جهود أونيل وآخرين لإحباط بن لادن. ولم يكن مهماً لديهم أن كثيراً من المشاركين في إنتاج المسلسل كانوا ديموقراطيين.
يقول المنتج هانز بروبه: «أنا يساري أكثر من اليسار. كنا ببساطة نروي التاريخ».
أكثر المشاهد إثارة للجدل يصور عملاء للـ «CIA» وحلفاءهم في أفغانستان، وهم يستعدون للقبض على بن لادن. يحتاجون إلى موافقة مستشار الأمن القومي للرئيس كلينتون، ساندي بيرغر.
يتردد بيرغر، ثم يرفض إعطاء الضوء الأخضر للعملية. وعندما يصل الخبر إلى المقاتلين، يسأل محارب أفغاني: «هل بقي رجال في واشنطن، أم أنهم جميعاً جبناء؟».
قال بيرغر وآخرون إن هذا لم يحدث، لكن المشهد يستند إلى واقعة وردت في تقرير لجنة 11 سبتمبر.
ففي عام 1998، حددت الـ «CIA» موقعاً محتملاً لأسامة بن لادن قرب قندهار، وتدرّبت فرق على عملية للقبض عليه. كانت الخطة خطيرة، وبعد نقاشات طويلة أُلغيت قبل تنفيذها بأيام. ويقول تقرير اللجنة إن الانطباعات تختلف حول الشخص الذي اتخذ القرار، لكنّه يلمّح إلى أن بيرغر ربما كان صاحب القرار.
ربما كان إلغاء العملية صائباً. وربما كانت ستفشل. لن نعرف، لكن التقرير يسجل حقيقة مهمة: لم تبلغ أي خطة لاحقة للقبض على بن لادن قبل 11 سبتمبر مستوى الإعداد والتفصيل نفسه.
قبل عرض المسلسل بأسبوعين، شاهد سياسيون ديموقراطيون مشهداً منه في واشنطن، فاندلعت حملة ضده. بعث هاري ريد وتشاك شومر و3 أعضاء آخرين في مجلس الشيوخ رسالة إلى الرئيس التنفيذي لشركة ديزني المالكة لـ «ABC»، بوب إيغر، حذّروه فيها من «المعلومات المضللة» وطالبوه بإلغاء البث.
وكانت الرسالة، في رأيي، محاولة ضغط سياسية فجّة على شبكة تلفزيونية، خصوصاً أنها ذكّرت «ABC» بأن لديها «رخصة بثّ مجانية» من الحكومة لخدمة المصلحة العامة.
لكنّ الضغط لم يأت من «الكونغرس» وحده، وفقاً للصحافية كارول فيلزانثال، اتصل كلينتون بإيغر شخصياً وطالبه بوقف المسلسل. واستجابت «ABC» بإجراء تعديلات في اللحظة الأخيرة، من بينها تقطيع المشهد الخاص ببيرغر.
يقول كاتب السيناريو سايروس نوراستيه: «كان ذلك مشهداً مهماً. لقد تعرّضنا للرقابة».
المفارقة أن كثيراً ممن هاجموا المسلسل لم يشاهدوه أصلاً، ولو فعلوا، لاكتشفوا أنه لا يستهدف الديموقراطيين وحدهم.
فالمسلسل ينتقد الجمهوريين أيضاً، فهو يوحي أن خصوم كلينتون الجمهوريين كانوا منشغلين بالمكاسب الحزبية، كما كان هو منشغلاً بفضيحته الشخصية. وفي مشهد آخر، يلتقي جون أونيل مستشارة الأمن القومي للرئيس جورج دبليو بوش، كونداليزا رايس، ويحثّها على التركيز على خطر بن لادن، لكنها تخبره بإعادة تعيينه وتودّعه بابتسامة متعالية.
هذا المشهد عُرض كاملاً كما أراده صانعوه، إلى جانب تنبيه واضح للمشاهدين بأن الفيلم ليس وثائقياً، وأنه يتضمن مشاهد وشخصيات وحوارات خيالية لأغراض درامية.
ومع ذلك، بعد عرضه في ليلتَي 10 و11 سبتمبر 2006، دفنت «ABC» المسلسل. لم يُعرَض مجدداً، ولم يصبح متاحاً على أقراص أو خدمات البث.
يقول المخرج ديفيد إل. كننغهام: «لقد أُلغي قبل أن تصبح ثقافة الإلغاء شيئاً موجوداً أصلاً».
الأفلام الأخرى عن 11 سبتمبر متاحة للجمهور، من «United 93» و«Zero Dark Thirty» إلى «Fahrenheit 9/11» المناهض لبوش الذي قدّمه مايكل مور. أما «الطريق إلى 11 سبتمبر» وحده، فقد اختفى.
يرى رئيس لجنة 11 سبتمبر، توماس كين الأب، الذي كان مستشاراً للمسلسل، أن الأميركيين يجب أن يكونوا قادرين على مشاهدته. ويقول: «أنا ضد القمع، الفيلم يقدّم وجهة نظر. وهكذا ينبغي أن يُنظر إليه، مع فهم أن هناك تفسيرات أخرى».
وهنا تكمن المسألة، قد نختلف حول تفسير التاريخ، وقد نرفض بعض مشاهده أو استنتاجاته، لكن هذا لا يبرر محوه.
بعض الروايات، كما يبدو، أقل مساواة من غيرها. ولذلك يجري دفعها إلى ثقب النسيان الأسود، حتى عندما تتناول أحداثاً نقول لأنفسنا إن علينا ألا ننساها أبداً.
* جون ج. ميلر