لن أتجاوز ما حدث في 11 سبتمبر أبداً، وأعتقد أن أياً منا ممن كانوا في نيويورك ذلك اليوم لن يفعل. لو كنا أشجاراً قُطعت بعد قرن من الحياة، ثم فتح خبير الأشجار جذوعها ورأى الحلقات الداخلية، لوجد بينها حلقة أكثر قتامة وكثافة، مليئة بآثار الجرح، وسأل: «ماذا حدث هنا؟». وسنجيبه: «ذلك كان 11 سبتمبر». وسيفهم، لأنه رأى مثل هذه الحلقات من قبل.
مرَّت الآن 25 عاماً. وربما تكون هذه آخر مرة أكتب فيها عن ذلك اليوم. لكنني أمضيت الأسبوع الماضي أعود إلى ما كتبته عنه طوال السنوات الماضية، فاكتشفت كم من الأفكار والمشاعر مررت بها، وكم كنا، أنا وقرائي، نحاول معاً أن نفهم ما حدث.
في السنة الأولى، كان تركيزي على تفاصيل المدينة بعد الكارثة: أصواتها ومشاهدها وتغيُّر ملامحها. بعد يومين فقط من الهجمات، قبل أن يصبح لها اسم واضح، كتبت أن الأميركيين واجهوا نهاية وهمٍ قديم: الاعتقاد بأن القوة والثروة والمكانة يمكن أن تحمينا من التاريخ. فجأة، طرق التاريخ بابنا.
كتبت أيضاً عن عودة الدين والإيمان إلى المجال العام، وعن رجال الإطفاء الـ 343 الذين فقدوا حياتهم في نيويورك. وكانت تصلني صور لمقال كتبته عن شجاعتهم، وقد عُلّقت على جدران مراكز الإطفاء. وفي تلك الأيام شعرت أيضاً بأن نوعاً من الرجولة والشجاعة، اللتين كنا نظن أنهما تراجعا، قد عادا إلى الظهور.
في الذكرى الأولى، كتبت عن مستشفى سانت فنسنت في مانهاتن، حيث انتظر الأطباء والممرضون وصول الجرحى. لكن الجرحى لم يأتوا بأعداد كبيرة، لأن ثلاثة آلاف شخص كانوا قد ماتوا. لم يعودوا أجساداً يمكن إنقاذها، لقد تحوَّلوا إلى غبار في الهواء، واستنشقناهم نحن.
وفي الذكرى الخامسة، لم أركز على صور انهيار البرجين، بل على أصوات ذلك اليوم، خصوصاً تسجيلات المكالمات الهاتفية الأخيرة. فالشجاعة، في جانب منها، هي أن يُدرك الإنسان حقيقة وضعه كما هي، مهما كانت قاسية.
أما في الذكرى العاشرة، فكتبت عما نُدين به للموتى: الذاكرة. كان أكثر ما صدم نيويورك أن المباني نفسها سقطت أمام أعيننا. كان البرجان شامخين وقويين، ثم انهارا فجأة، وتحوَّلا إلى سحابة من الغبار. لم يكن العقل قادراً على استيعاب أن مبنيين بهذا الحجم يمكن أن يختفيا. ومنذ ذلك اليوم حدث تحوُّل نفسي عميق في المدينة: انتقلنا من الإحساس بأننا «آمنون» إلى إدراك أننا «لسنا آمنين». كانت تلك نهاية صورة أميركا التي لا تُخترق، وبداية عصر من الهشاشة.
وفي الذكرى الخامسة عشرة، كتبت عن ويلز كروثر، الشاب الذي عُرف باسم «الرجل ذو المنديل الأحمر»، تكريماً لشجاعته في إنقاذ الآخرين.
لكن أكثر ما أعود إليه اليوم هو صوت ابني، الذي كان في الرابعة عشرة من عُمره يوم الهجمات، وفي يومه الثاني بمدرسة جديدة على الجانب الآخر من النهر. انقطعت خطوط الهاتف، ولم أستطع الوصول إليه. وفي ذلك المساء اتصل من هاتف عمومي في بروكلين، فيما كان طابور من الطلاب ينتظر دوره.
طمأنني بأنه بخير، وسألني: ماذا نعرف فعلاً؟ أخبرته بما حدث، ثم أدركت أنه كان ينقل المعلومات التي أقولها إلى الطلاب الواقفين خلفه. كان صوته، وهو في الرابعة عشرة، يبدو أكبر من سنه وأكثر ثقة. أدركت يومها أن نقل المعلومات للآخرين يمكن أن يكون شكلاً من أشكال تحمُّل المسؤولية. ولم أكن أعرف، آنذاك، أن هذا الأمر سيكون له أثر في مستقبله المهني، لكنه كان كذلك بالفعل.
لم يعد ابني إلى المنزل تلك الليلة. وفي صباح اليوم التالي عاد إلى مانهاتن بقطار مترو يسلك طريقاً متعرجاً. وعندما خرج القطار من النفق وبدأ يتجه شمالاً، كان الركاب، كما جرت العادة، ينظرون إلى اليسار للحظة ليروا البرجين وبريق وسط المدينة في ضوء الشمس. لكن في ذلك الصباح لم يروا البرجين، بل سحابة الحطام مكانهما.
صدر من العربة كلها صوت واحد خافت، تنهيدة جماعية، وكأن الجميع قالوا في اللحظة نفسها: «أوه...». وكان هناك رجل ضخم، يبدو من رجال النقابات، وقف ينظر مثل الجميع، ثم جلس وبدأ يبكي.
ذكَّرني ذلك بما حدث في الذكرى الخمسين لمعركة غيتيسبيرغ عام 1913. جاء الجنود القدامى الذين خاضوا المعركة وهم في السبعينيات والثمانينيات من أعمارهم. وعندما أعاد الكونفدراليون تمثيل هجومهم الشهير، أصدر جنود الاتحاد صوتاً جماعياً من الدهشة والحزن. لم يعد الأمر بالنسبة إليهم مجرَّد تاريخ، كان مأساة إنسانية. وعندما اقترب الخصوم القدامى، لم يستطيعوا إعادة تمثيل هزيمتهم، بل احتضنوا بعضهم بعضاً.
هكذا أشعر اليوم، بعد 25 عاماً، كلما سمعت قصة عن 11 سبتمبر وعن الشجعان الذين عاشوا ذلك اليوم.
الحياة تستمر. ابني أصبح أباً، وينتظر طفلاً ثانياً، والأيام تمضي وتمتلئ بالحياة. لكن لا تكذبوا أبداً بشأن الأشياء التي تكسر قلوبكم.
لن أتجاوز 11 سبتمبر أبداً، ولا أظن أن أياً منا سيفعل. ستظل تلك الحلقة الداكنة محفورة في جذع شجرتنا الداخلية. وبين الحين والآخر، سيأتي مَنْ يسأل: «ماذا حدث هناك؟» وسنخبره.
* بيجي نونان