يمكننا أن نسميها باللهجة الكويتية: «ييمة الغضب»، فما الذي نقصده في «ييمة الغضب» أو طُعم الغضب؟

في السابق، كان صانع المحتوى يبحث عن فكرة تجذب انتباهك وتزيدك علماً ومعرفة. أما اليوم، فقد يبحث عمَّا يستفزك.

هذا التحوُّل له اسم في عالم الإنترنت: Rage Bait، أي طُعم الغضب. وقد اختارت Oxford University Press المصطلح كلمة العام لعام 2025، وعرَّفته بأنه محتوى يُصمَّم عمداً لإثارة الغضب أو السخط. وتقول إن المنصات الرقمية لا تُكافئ دائماً أفضل محتوى، بل قد تُكافئ أكثره قدرةً على تحريك الجمهور. وكلما ارتفع التفاعل، اتسع الانتشار. لهذا أشارت أكسفورد إلى أن الخوارزميات والبيئة القائمة على التفاعل أسهمت في انتشار المحتوى الاستفزازي.

Ad

والفكرة يا سادة في غاية البساطة: لا يشترط أن تقدِّم للناس شيئاً نافعاً أو عميقاً أو حتى ممتعاً؛ يكفي أن تجعلهم غاضبين. فالغاضب يُعلِّق ويُجادل ويُشارك، ويعود ليرد على مَنْ خالفه، وربما يستدعي أصدقاءه إلى المعركة. وهكذا يتحوَّل الغضب إلى تفاعل، والتفاعل إلى انتشار، والانتشار إلى متابعين ومشاهدات، وربما إيرادات.

ومازلت أتذكَّر ما قاله أحد المحققين، في بدايات انتشار هذه الظاهرة، عندما لفتت انتباهه كمية الشكاوى التي رفعها أحد المشاهير ضد كل مَنْ يتفاعلون مع محتواه، سواء كان بالغاً أو قاصراً، فكان لا يستثني أحداً، وكأن الموضوع «حصَّالة». وانكشف الاستغلال أكثر في الحوارات التي دارت بينه وبين محاميه؛ فقد بدا أن الرجل لم يترك تقريباً من تفاعل مع محتواه إلا ووجد في كلامه سبباً لملاحقته قانونياً. لكن المحقق استطاع بفطنته إيقاف ذلك الاستغلال، بعد أن تبيَّن له نية التعمُّد في استثارة الشارع.

إن هذه النوعية من النصابين لا يريدون منك أن توافقهم، ولا حتى أن تعارضهم بهدوء، إنما يريدونك غاضباً مستثاراً، لأن غضبك هو الجزء الذي يحتاجونه لإكمال عملية النصب والاحتيال.

ولا يعني ذلك بحال أن الإساءة تُصبح مُباحة لمَنْ استفز الناس، فالسب والقذف والإهانة أفعال يحاسب عليها القانون متى توافرت أركانها. لكن العدالة ينبغي ألا تنظر إلى الطُعم وحده وتغفل مَنْ ألقاه.

وأعتقد أن القوانين الجديدة ستحد من تمادي هؤلاء المحتالين. وأظن أننا بحاجة إلى نقاشٍ تشريعي تفصيلي حول هذه الظاهرة: الاستفزاز المتعمَّد الذي يتحوَّل إلى وسيلة لصناعة الفوضى أو استغلال ردود أفعال الجمهور لتحقيق منفعة، متى تجاوز حدود التعبير المشروع وتوافرت فيه العناصر التي تستوجب التجريم.

إن حُرية التعبير قيمة لا غنى عنها، لكن الحُرية لا تعني أن يتحوَّل استفزاز الناس إلى صناعة، والغضب إلى تجارة، والقانون إلى أداة للابتزاز أو المساومة.

لذلك، فإن تطوير التشريعات الإعلامية ليس تضييقاً على الإعلام، وإنما محاولة لمواكبة عصر تغيَّرت فيه أدوات النشر، وتغيَّرت معه أساليب التأثير.

عزيزي القارئ، تذكَّر «ييمة الغضب» كلما شاهدت مشهداً استفزازياً، أو مررت على قناة إخبارية تجارية، فنحن أمام إعلام رخيص يحاول أن يربح من استفزاز المجتمع أكثر مما يربح من وعيه وثقافته.