ثمة حكايات لا تكشفها النقوش وحدها، بل قد تختبئ في بذرة صغيرة ظلَّت صامدة آلاف السنين تحت الرمال. وفي قلب منطقة ميت رهينة - جنوب القاهرة، حيث كانت عاصمة مصر القديمة، عثرت بعثة مصرية - صينية على بقايا منشأة يُرجح أنها معصرة للنبيذ. فهل امتلك المصريون القدماء فعلاً معرفة صناعة النبيذ، أم أن هذه البذور تقود إلى حكاية أوسع عن حياتهم اليومية وطقوسهم؟

أعادت اكتشافات أثرية حديثة أعلنت عنها وزارة السياحة والآثار المصرية في منطقة معبد سخمت بميت رهينة طرح السؤال بصورة أكثر إثارة: هل عرف الفراعنة النبيذ وصنعوه؟

وخلال أعمال الحفائر التي تنفذها بعثة أثرية مصرية - صينية مشتركة بين المجلس الأعلى للآثار ومتحف شنغهاي، جرى الكشف عن عنصر مبني من الحجر الجيري، يُرجح أنه كان يُستخدم كمعصرة للنبيذ. ويتكوَّن العنصر من حوض علوي ينحدر جنوباً باتجاه فتحة مركزية، وحوض تجميع سُفلي، فيما تعلو كل حوض فتحة مخصصة لتثبيت الأمفورات المستخدمة في ملء السائل.

Ad

لكن اللافت لم يكن شكل المنشأة وحده، بل العثور بداخلها على بذور العنب، وهي قرينة تعزز التفسير القائل بارتباط المنشأة بإنتاج النبيذ، وإن كانت لا تكفي وحدها لحسم طبيعة استخدامها أو تاريخ تشغيلها.

خلف المعبد

ووفق الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، هشام الليثي، بدأت البعثة أعمالها بتنظيف وتوثيق معبد سخمت، الذي يمثل جزءاً من مجمع معبد بتاح الكبير، قبل أن تمتد أعمال الحفائر إلى المناطق المحيطة، بهدف الكشف عن معالم المنطقة وفهم طبيعة استخدامها عبر العصور.

ويكشف ذلك عن صورة أكثر اتساعاً للموقع، فالبعثة لم تعثر على المعصرة المحتملة وحدها، بل كشفت أيضاً عن بقايا مجمع سكني من الطوب اللبن، إلى جانب كُتل حجرية وأجزاء من تماثيل يُرجح أن بعضها كان جزءاً من معبد بتاح الكبير، المعبد الرئيسي لمدينة منف القديمة، وكان معبد سخمت أحد أجزائه.

وتشير المكتشفات إلى أن المنطقة ظلَّت مأهولة ومُستخدمة حتى بعد تراجع الدور الديني للمعبد، وهو ما يؤكده رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار محمد عبدالبديع، الذي أوضح أن الأدلة المُكتشفة تعكس استمرار الاستيطان البشري منذ عصر الانتقال الثالث والعصر المتأخر، مروراً بالعصر البطلمي حتى العصر اليوناني الروماني، وتحوُّل المنطقة إلى حي سكني.

أبعد من النبيذ

وتضم المكتشفات أيضاً كتلاً حجرية وأجزاء من تماثيل يعود معظمها إلى عصر الدولة الحديثة، لا سيما عصر الملك رمسيس الثاني، ومصنوعة من الحجر الجيري والغرانيت الأحمر والشست، فضلاً عن بقايا فخارية، وتمائم من الفيانس، وتماثيل صغيرة من التراكوتا والحجر الجيري، وأوستراكات ولوحات نذرية.

وهنا تُصبح قصة النبيذ جزءاً من لغز أكبر، فوجود بذور العنب داخل منشأة يُرجح أنها معصرة يقدم قرينة أثرية مهمة على نشاط مرتبط بإنتاج النبيذ، لكنه لا يعني بالضرورة أن المعصرة تعود إلى عصر رمسيس الثاني، أو أنها كانت تعمل طوال الفترة التي استُخدمت فيها المنطقة.

كما أن الكشف لا يجيب منفرداً عن سؤال: هل كان النبيذ مشروباً يومياً، أم ارتبط بالطقوس والمناسبات أو بفئات اجتماعية بعينها؟ بل يضيف قطعة جديدة إلى صورة الحياة في منف، المدينة التي لم تكن مركزاً دينياً وسياسياً فحسب، بل مساحة عاش فيها الناس ومارسوا أنشطتهم اليومية عبر قرون طويلة.

ومن المنتظر أن تواصل البعثة المصرية - الصينية، برئاسة المشرفة على الشؤون العلمية بالأمانة العامة للمجلس الأعلى للآثار د. ريهام زكي، ونائب مدير متحف شنغهاي د. شين جيه، أعمالها خلال المواسم المقبلة لاستكمال الحفائر والتوثيق المعماري، بما قد يكشف مزيداً من التفاصيل حول وظيفة المنشأة وتاريخ استخدامها.

أما معبد سخمت، فقد ظهر بالمصادفة عام 1959 أثناء أعمال بناء أحد المنازل بالمنطقة، قبل أن تبدأ أعمال التنقيب خلال موسم 1961- 1962. وبعد أكثر من 6 عقود تعود الحفائر إلى الموقع لتفتح سؤالاً يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يحمل بين طياته تاريخاً كاملاً: هل ترك المصري القديم، إلى جانب المعابد والتماثيل، أثراً يدل على أنه كان يعرف أيضاً صناعة النبيذ؟