حذر الكاتب والصحافي الأميركي المخضرم توماس فريدمان في مقال نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» من أن فوز رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالانتخابات الإسرائيلية العامة المقررة في 27 أكتوبر، وفوز الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الانتخابات النصفية للكونغرس، سيقود إسرائيل والولايات المتحدة الى «دمار ذاتي».

أسوأ من «كو كلوكس كلان»

ويوجه المقال انتقادات شديدة إلى نتنياهو وائتلافه اليميني الحاكم، الذي يضم سياسيين من دعاة «التفوق اليهودي»، الذي وصفهم رئيس سابق لجهاز الموساد بأنهم أسوأ من منظمة «كو كلوكس كلان» (KKK) الأميركية العنصرية.

Ad

ويرى فريدمان أنه إذا أعيد انتخاب هذا الائتلاف، فمن المرجح أن يستكمل مشروع إضعاف المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية، والمحكمة العليا الإسرائيلية، وإلى خطوات قد تصل إلى حد ضم الضفة الغربية وغزة، وتهجير الفلسطينيين من المنطقتين على أساس عرقي.

دولة منبوذة

ويتوقع فريدمان أنه إذا استمر هذا المسار، فقد تتحول إسرائيل إلى دولة منبوذة دولياً، ويقارن الوضع المحتمل بما حدث مع جنوب إفريقيا في زمن الفصل العنصري.

ويشير إلى أن إسرائيل فقدت بالفعل دعماً كبيراً لدى جزء واسع من الحزب الديموقراطي الأميركي والعديد من الجمهوريين الشباب ومعظم الأحزاب الليبرالية الأوروبية.

ويتوقع أن يزداد استبعاد الأكاديميين والفنانين الإسرائيليين من الفعاليات الدولية، وأن تتصاعد موجة مغادرة إسرائيل من قبل أعداد أكبر من أصحاب المهارات العالية مثل: العلماء، وعلماء الرياضيات، ومهندسو الذكاء الاصطناعي والبرمجيات، والطيارون، والعسكريون والفيزيائيون النوويون.

ويستشهد بدراسة حديثة وجدت أن 1,370 طبيباً غادروا إسرائيل لمدة 12 شهراً على الأقل خلال السنوات الثلاث الماضية، وهو عدد يفوق عدد الأطباء العاملين في العديد من المستشفيات الإسرائيلية الكبرى.

«كفاحي» بصورة معكوسة 

ويورد فريدمان في مقاله تصريحات موشيه يعالون، وزير الدفاع الإسرائيلي السابق الذي خدم في حكومة نتنياهو الذي يأتي من خلفية سياسية يمينية وسطية، قارن فيها أيديولوجية المستوطنين الإسرائيليين المتطرفين في الضفة الغربية بأيديولوجية ألمانيا النازية. 

وتساءل يعالون حينها: «ما هو التفوق اليهودي؟ بعد ثمانين عاماً من الهولوكوست. إنه «كفاحي» بصورة معكوسة. نحن الآن العرق المتفوق»، في إشارة إلى الكتاب الشهير للزعيم النازي أدولف هتلر. ويعتبر فريدمان تقييم يعالون جرس إنذار شديد الخطورة داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه. 

آيزنكوت: رابين الجديد 

ويقر فريدمان بأن المجتمع الإسرائيلي لا يزال متأثراً بشدة بأحداث 7 أكتوبر، لذلك لا يتوقع أن تنتقل إسرائيل فوراً إلى مفاوضات سلام جديدة وشاملة مع الفلسطينيين. لكنه يرى أنه إذا تمكنت المعارضة من هزيمة نتنياهو، فقد يحدث تغير كبير. ويشير خصوصاً إلى غادي آيزنكوت، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، باعتباره أحد أبرز قادة المعارضة. ويقارنه من بعض النواحي برئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحاق رابين. ويرى أنه في حال انتصار المعارضة، فمن المرجح بالحد الأدنى وقف اعتداءات المستوطنين اليهود ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية التي يقول إن حكومة نتنياهو تسمح بها.

ويقول فريدمان إن ترامب سيكون مخطئاً جداً إذا أيد نتنياهو في الانتخابات، لأنه عرقل  خطة السلام الأميركية الخاصة بغزة، ويشير إلى أنه في حالة خسارة نتنياهو فإن ترامب سيحصل على شريك إسرائيلي أكثر استعداداً لمحاولة تنفيذ خطته في غزة. 

ويحذر فريدمان من أن إسرائيل تتجه لتصبح مجتمعاً متشدداً وغير متعلم، إذا استمر نتنياهو بتقديم تنازلات كبيرة من أجل الحفاظ على دعم أحزاب اليمين الدين المتشددة. 

ويشير تحديداً إلى مساعي هذه الأحزاب إلى إعفاء آلاف الشباب اليهود الحريديم من الخدمة العسكرية وتقديم ملايين الدولارات إلى مدارسهم الدينية، في حين ان كثيراً منها لا يقدم تعليماً مناسباً للحياة الاقتصادية الحديثة أو المهارات اللازمة للعمل. 

ويلفت إلى مفارقة أوردها الكاتب الاقتصادي الإسرائيلي دان بن دافيد، رئيس مؤسسة شورش للأبحاث الاجتماعية والاقتصادية، تفيد بأن معدل الخصوبة لدى معظم فئات المجتمع الإسرائيلي يبلغ حوالي طفلين لكل امرأة، لكن بين اليهود الحريديم المتشددين المتحالفين سياسياً مع نتنياهو يبلغ حوالي سبعة أطفال لكل امرأة، لافتاً إلى أن نسبة الحريديم من السكان باتت تتضاعف كل 25 عاماً تقريباً.

ويشير بن دافيد إلى أن النظام التعليمي الحريدي لا يمنح الأطفال التعليم الأساسي اللازم للاستقلال الاقتصادي أو لفهم أسس الديموقراطية الحديثة، محذراً من أن نحو ربع طلاب الصف الأول في إسرائيل باتوا من الحريديم. 

ويحذر فريدمان من أن السنوات الأربع الماضية قدمت، في رأيه، صورة مصغرة قاتمة لما قد ينتظر إسرائيل إذا لم تغيّر مسارها.

أكثر رئيس غير أميركي

بعد إسرائيل، ينتقل فريدمان إلى بلده، الولايات المتحدة، حيث يصف ترامب بأنه «أكثر رئيس غير أميركي عرفته في حياتي». ويتهم فريدمان الرئيس الأميركي وحلفاءه باستخدام شعار «أميركا أولاً» لتفكيك مجموعة واسعة من المؤسسات والتحالفات التي أسست النظام الأميركي والعالمي بعد الحرب العالمية الثانية، مثل حلف الناتو والأمم المتحدة، ومنظمتي الصحة العالمية والتجارة العالمية، والوكالة الأميركية للتنمية الدولية.إضافة الى الإضرار بالعلاقات الأميركية الوثيقة مع كندا والمكسيك والتحالفات العسكرية الأميركية مع كوريا الجنوبية واليابان.

ويرى فريدمان أن هذه المؤسسات والعلاقات ساهمت مجتمعة في تحقيق الازدهار الاقتصادي الأميركي والعالمي والحفاظ على السلام بين القوى الكبرى لعدة أجيال، مستنتجاً بأن النتيجة الفعلية لتفكيكها ستجعل من أميركا وحيدة وفي حالة تراجع. 

تدليل بوتين 

في المقابل، يهاجم الكاتب «تدليل» ترامب للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، رغم أنه يحاول برأيه ليس فقط تدمير أوكرانيا كدولة مستقلة ذات سيادة، وإنما الإضرار بالناتو.

ويشير خصوصاً إلى ما يعتبره تجاهل ترامب لـ «تفاخر» بوتين أخيراً بمساعدة إيران في حربها مع الولايات المتحدة في الخليج، بما في ذلك تزويدها بالمعدات والسلع الضرورية، معتبراً أن بوتين يواصل إهانة أميركا بينما يتصرف ترامب وكأن شيئاً خطيراً لا يحدث.

ويعيد فريدمان ذلك إلى أن ترامب، بخلاف الرؤساء الأميركيين السابقين، لا يعتبر الديموقراطية قيمة أساسية، ويبدو أكثر ارتياحاً في التعامل مع قادة سلطويين مثل بوتين وكيم جونغ أون.

التربح من الرئاسة 

على جبهة أخرى، يستشهد الكاتب بتقرير للكاتب إريك ليبتون، يقول إنه لم يسبق في التاريخ الأميركي وجود رئيس مشابه لترامب من حيث الإيرادات التي حصل عليها من أعمال تجارية استفادت من قراراته الرئاسية.

وبحسب التقرير، حصل ترامب خلال السنة الأولى من عودته إلى الرئاسة على حوالي 1.4 مليار دولار كإيرادات جديدة مرتبطة بأعمال العملات المشفرة مستفيداً بصورة مباشرة من إجراءاته في هذا المجال.

خطر فوز ترامب 

ويستخدم فريدمان كل هذه الأسباب ضمن حجته الأوسع بشأن تآكل المعايير والمؤسسات الديموقراطية، متوقعاً بأن ينقل فوز ترامب في الانتخابات النصفية هذه السياسيات «مرحلة جديدة تماماً».

وفي هذا السياق، يستعين فريدمان بتحذير المدير التنفيذي لمنظمة «بروتكت ديموقراسي»، بإيان باسن، من أن فوز الجمهوريين في الانتخابات النصفية سيكون «أخطر سيناريو». ويوضح باسن بأن ترامب حالياً ضعيف وغير محبوب سياسياً وبالتالي هناك قيود على تحركاته، لكن إذا فاز بالانتخابات، فسيغير ذلك حسابات أعضاء الكونغرس الجمهوريين، ورجال التكنولوجيا في سيليكون فالي وغيرهم من أصحاب النفوذ، وسيشعرون بأن ترامب أصبح أقوى ما قد يجعلهم أقل استعداداً لمعارضته وسيجعله يشعر بأنه أكثر قوة وجرأة من أي وقت مضى.

أزمات دولية وإيران 

وينتقد فريدمان إبعاد العديد من حلفاء الولايات المتحدة، بما في ذلك كندا فيما يمر العالم بما قد يكون أكبر تحول تكنولوجي في تاريخ البشرية، مع ظهور وكلاء وروبوتات تعمل بالذكاء الاصطناعي وقادرة على تحسين نفسها، في حين  تتفاقم أزمة تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة واضطراب الطقس وكلها قضايا تتطلب استجابة دولية واسعة.

كما يشير إلى صعود الصين في سوق السيارات الكهربائية عالمياً، في الوقت الذي يركز فيه ترامب على النفط.

وانتقد فريدمان الحرب في ايران، معتبراً انها تستنزف الموارد العسكرية الأميركية، ويصف وزير الدفاع بيت هيغسيث بـ«المهرج الذي أقال أو منع ترقية عدد من الجنرالات الأميركيين يفوق عدد الجنرالات الإيرانيين الذين قتلهم».

التدمير الذاتي

وفي ملاحظاته الختامية، ينقل فريدمان عن رئيس أميركي سابق إنه قال العام في حديث خاص إن الولايات المتحدة تستطيع النجاة من ولاية ترامب الثانية طالما بقيت المؤسسات الأميركية سليمة. 

لكن الكاتب يحذر من أن هذه المؤسسات لم تعد كذلك، متسائلاً عما إذا كان يمكن اعتبار وزارة العدل ووزارة الصحة والخدمات الإنسانية أو مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها ولجنة الاتصالات الفدرالية بأنها لا تزال مستقلة وسليمة، بعد أن استُخدمت لخدمة مصالح الرئيس السياسية والشخصية. 

ويشدد فريدمان على أن جعل هذه المؤسات مستقلة وتحت إدارة الخبراء مجدداً في المستقبل ستكون مهمة أصعب بكثير مما يعتقد كثيرون. وينسحب ذلك برأيه على إسرائيل حيث عين نتنياهو موالين ومقربين منه في أجزاء عميقة من البيروقراطية الإسرائيلية وصولاً الى داخل مؤسسات الأمن القومي.

ويختم فريدمان بدعوة للناخبين الأميركيين والإسرائيليين إلى أخذ كل ذلك بعين الاعتبارعندما يدخلون إلى مركز الاقتراع، مشيراً إلى أنه «لا يوجد عدو خارجي قوي بما يكفي لتدمير الديموقراطية الأميركية أو الإسرائيلية، لا إيران ولا روسيا ولا أي دولة أخرى، بل إن الشيء الوحيد القادر فعلاً على ذلك هو التدمير الذاتي».