في 23 ديسمبر 1954، حدث شيء كان يبدو في ذلك الوقت أقرب إلى الخيال منه إلى الطب، في أحد مستشفيات بوسطن بالولايات المتحدة، نجح الجراح الأميركي جوزيف موراي في زراعة كلية من إنسان إلى إنسان. كان المتبرع رونالد هيريك، والمتلقي شقيقه التوأم المتطابق ريتشارد.
لم تكن العملية مجرد نجاح جراحي، بل كانت بداية قصة غيّرت الطب إلى الأبد، فالمشكلة لم تكن فقط في كيفية وضع كلية جديدة داخل جسم المريض، وإنما في السؤال الأصعب: هل سيقبل الجسم هذا العضو أم سيحاول تدميره؟
وهنا اكتشف الأطباء أحد أعقد أسرار جسم الإنسان. جهاز المناعة الذي يحمي الإنسان من الأمراض يمكن أن يصبح، في حالة زراعة الأعضاء، العدو الذي يرفض العضو الجديد، من تلك العملية بدأت رحلة طويلة
في عام 1954 كان السؤال: هل يمكن زراعة عضو؟ أما اليوم فأصبحنا نزرع الكلى والكبد والقلب والرئتين والبنكرياس، وأصبحت زراعة الأعضاء أملاً حقيقياً لآلاف المرضى حول العالم، لكن النجاح لم يأتِ بسهولة، احتاج الأطباء إلى سنوات طويلة لفهم المناعة، وتطوير الأدوية التي تمنع رفض العضو، وتحسين طرق الجراحة وحفظ الأعضاء ومتابعة المرضى.
ومع كل تقدم، كان السؤال يتغير، لم يعد: هل نستطيع إجراء عملية الزراعة؟ بل أصبح: كيف نجعل العضو يعيش ويعمل لأطول فترة ممكنة؟ وماذا عن الكويت؟ هذه القصة العالمية لم تبقَ بعيدة عنا، ففي عام 1979 بدأت الكويت برنامج زراعة الكلى، وكانت من أوائل دول الخليج التي دخلت هذا المجال الطبي المتقدم، ومنذ ذلك الوقت، تطورت زراعة الأعضاء في الكويت خطوة بعد أخرى، وأصبح لدينا مركز متخصص هو مركز حامد العيسى لزراعة الأعضاء، الذي أصبح أحد أهم المراكز في هذا المجال.
وهنا تكمن أهمية التجربة الكويتية، فزراعة الأعضاء ليست مجرد عملية يجريها الجراح، إنها منظومة كاملة تحتاج إلى أطباء وجراحين ومختبرات وبنوك دم وتخصصات متعددة، إضافة إلى نظام للتبرع بالأعضاء ومتابعة المريض لسنوات بعد العملية، أي أن نجاح زراعة عضو واحد هو في الحقيقة نجاح فريق كامل.
العضو المتبرع به له رحلة أيضاً
قد يعتقد البعض أن القصة تبدأ عندما يدخل المريض غرفة العمليات، لكن الحقيقة أن الرحلة تبدأ قبل ذلك بكثير، فالمتبرع به يحتاج إلى المحافظة عليه منذ لحظة استئصاله وحتى وصوله إلى المريض، ولهذا تطورت تقنيات حفظ الأعضاء ونقلها.
واليوم توجد أجهزة متقدمة تسمى Machine Perfusion، تستطيع في بعض الحالات أن تقوم بتروية العضو خارج الجسم، وتسمح للأطباء بمراقبة حالته قبل زراعته، وهذا تطور مهم جداً، ففي الماضي كان الوقت عاملاً حاسماً، وكان العضو يجب أن يصل إلى المريض بسرعة، أما اليوم فأصبح بإمكان الأطباء في بعض الحالات أن يعرفوا أكثر عن حالة العضو قبل اتخاذ قرار زراعته، وربما يساعد ذلك مستقبلاً على استخدام أعضاء كان يمكن رفضها في الماضي.
لكن المشكلة الكبرى ما زالت موجودة
رغم كل هذا التقدم، هناك مشكلة لم يستطع الطب حلها بالكامل: الأعضاء المتاحة أقل من عدد المرضى الذين يحتاجون إليها، وهنا تظهر مفارقة غريبة. أصبح الطب قادراً على إجراء عمليات معقدة جداً، لكنه لا يستطيع دائماً توفير العضو الذي يحتاج إليه المريض، ولذلك قد ينتظر بعض المرضى وقتاً طويلاً للحصول على عضو مناسب، وفي حالة الفشل الكلوي قد يعيش المريض سنوات على الغسيل الكلوي وهو ينتظر فرصة الزراعة.
وهنا بدأ العلماء يسألون سؤالاً أكثر جرأة: لماذا ننتظر دائماً عضواً من إنسان؟ هل يمكن أن يأتي العضو من حيوان؟ قبل سنوات، كانت فكرة زراعة عضو من حيوان إلى إنسان تبدو أقرب إلى الخيال العلمي، اليوم أصبحت موضوعاً للبحث العلمي والتجارب الطبية، ويعمل العلماء على تعديل بعض جينات الخنازير بهدف جعل أعضائها أكثر توافقاً مع جسم الإنسان وتقليل رفضها من جهاز المناعة، ووصلت هذه الأبحاث بالفعل إلى تجارب على البشر.
لكن هذا لا يعني أننا وصلنا إلى مرحلة يمكن فيها لأي مريض أن يحصل غداً على كلية خنزير. ما زالت هناك أسئلة كبيرة حول المناعة ومنع العدوى وتخثر الدم، والأهم: كم من الوقت يستطيع العضو أن يستمر في العمل؟ ومع ذلك فإن مجرد انتقال الفكرة من الخيال العلمي إلى التجارب البشرية يمثل خطوة هائلة.
وربما تكون الخطوة القادمة مختلفة تماماً
الأكثر إثارة أن العلماء لا يبحثون فقط عن متبرع جديد. إنهم يحاولون في المستقبل صناعة العضو نفسه. هناك أبحاث في هندسة الأنسجة والخلايا الجذعية، تهدف إلى إنتاج أنسجة وأعضاء يمكن أن تناسب المريض نفسه، تخيلوا أن المريض لا ينتظر متبرعاً، ولا يحتاج إلى عضو من شخص آخر، بل يمكن في المستقبل تصنيع عضو باستخدام خلاياه هو.
قد يبدو الأمر خيالاً اليوم، لكن تذكروا أن زراعة كلية من إنسان إلى إنسان كانت تبدو خيالاً أيضاً في عام 1954.
وماذا يمكن أن يفعل الذكاء الاصطناعي؟
قد يدخل الذكاء الاصطناعي أيضاً في هذه الرحلة، فربما يساعد مستقبلاً في اختيار أفضل عضو لمريض معين، والتنبؤ باحتمال رفضه، وتحليل كميات ضخمة من البيانات لمعرفة أي علاج يناسب كل مريض، وقد يصبح الطب أكثر قدرة على التنبؤ بما سيحدث قبل حدوثه، وهذا هو الاتجاه الذي يسير إليه الطب الحديث: من علاج المشكلة بعد حدوثها... إلى توقعها والاستعداد لها قبل حدوثها.
من 1954 إلى الكويت... ثم إلى المستقبل
إذا تأملنا رحلة زراعة الأعضاء خلال أكثر من سبعين عاماً فسنجد أن السؤال الطبي تغير باستمرار. في البداية: هل نستطيع زراعة عضو؟ ثم: كيف نمنع الجسم من رفضه؟ ثم: كيف نحافظ عليه ليعمل سنوات أطول؟ واليوم: كيف نوفر عضواً مناسباً لكل مريض يحتاج إليه؟
وفي الكويت، بدأت الرحلة عام 1979، عندما دخلت زراعة الكلى مرحلة جديدة في منظومتنا الصحية، ومنذ ذلك الوقت تطورت الخبرات والكوادر والمراكز وبرامج التبرع بالأعضاء، وأصبحت زراعة الأعضاء جزءاً مهماً من الطب الحديث في الكويت، لكن أجمل ما في هذه القصة ليس ما حدث في الماضي، بل ما قد يحدث في المستقبل.
ربما يأتي يوم لا يضطر فيه مريض إلى الانتظار سنوات بحثاً عن متبرع، ربما يكون العضو متاحاً من مصدر آخر، أو معدلاً وراثياً، أو مصنوعاً من خلايا المريض نفسه، وفي يوم من الأيام قد يصبح السؤال الذي يؤرق المرضى اليوم شيئاً من الماضي: «هل سأجد العضو الذي ينقذ حياتي؟».
في عام 1954 كانت زراعة كلية من توأم متطابق معجزة، وفي عام 1979 وصلت هذه الفكرة إلى الكويت وأصبحت جزءاً من طبنا الحديث، أما اليوم فنحن نقف على عتبة مرحلة جديدة، من زراعة الأعضاء... إلى صناعة الأعضاء، وربما يكون هذا واحداً من أجمل فصول قصة الطب التي لم تنتهِ بعد.
*رئيس كلية الأنف والأذن والحنجرة وجراحة الرأس والرقبة بمعهد الكويت للاختصاصات الطبية وباحث في قسم الأبحاث بمعهد دسمان للسكري