التقيت صديقة بعد غياب طويل، كنت أعرف أن السنوات الأخيرة لم تكن سهلة عليها وأنها مرّت بأحداث قاسية ومن الخيبات ما يكفي لأن تفقد ثقتها بالناس، لكنها مع ذلك لم تفعل.

فقد وجدت فيها الصديقة التي عرفتها قديماً، الضحكة نفسها، والدفء نفسه، وقدرة عجيبة على استقبال الحياة كأنها لم تخذلها يوما.

خرجت من لقائها وأنا أفكر، كيف يمرّ بعض الناس بكل هذا ولا يصبحون نسخة ممن آذوهم؟!

Ad

ولم أجد الإجابة في الطيبة وحدها، فالطيبة قبل الألم قد تكون طبعاً، أما أن تبقى فيك بعده، فذلك انتصار كبير للنفس، كيف تجرعت قسوة الحياة ثم ترفض أن تتعلم منها القسوة؟

وحقيقة أن هذا الانتصار بوجعه يكلّف الكثير، فبعد كل تجربة مؤلمة يبدأ الاختيار الصغير بأي شيء سنخرج منها؟ فإمّا أن نحمل العبرة وإمّا أن نحمل الندبة.

قد يخذلك أحدهم حينها، عليك أن تختار إمّا أن تفهم أن الثقة تُبنى على مواقف وعلى مهل، وتلك عبرة، أما أن يصبح كل وجه جديد متهما حتى يثبت العكس فتلك ندبة جرح مازالت تنزف.

وحين تكون معطاء فتمنح إنسانا أكثر مما يستحق، حينها عليك أن تختار، إمّا أن تدرك أن العطاء لا يعني أن تنسى نفسك وتلك عبرة، وإما أن تدخل كل علاقة جديدة وأنت تحسب كل كلمة وموقف خشية أن تكون الطرف الذي أعطى أكثر، فتلك علاقة انتهت وظلت جروحها مفتوحة.

وحين نحمل الندبة إلى علاقاتنا التالية، نظن أننا تركنا أصحابها في الماضي بينما أثر جرحهم باقٍ، حيث يظل أثرهم حاضرا في اختياراتنا، فنشك بسببهم، ونتراجع بسببهم، ونغلق الأبواب في وجه الجميع خشية الألم، فيدفع القادمون ثمنا لجروح لم يشاركوا في صنعها.

وليس المقصود أن نخرج من التجارب كما دخلناها، فالحياة تعلّمنا الكثير، ومن الطبيعي أن نتعلم ونصبح أكثر حذراً، وأن نمنح ثقتنا بوعي، وأن نغلق أبوابا نعرف أنها لا تقود إلّا إلى الأذى، لكنّ هناك فرقا بين حذر يحمينا وخوف يحرمنا من كل ما قد يكون جميلا، لذلك ليس السؤال: ما الذي تغيّر فينا؟ إنما السؤال: هل جعلتنا التجربة أكثر وعيا، أم أكثر قسوة؟

فليس كل من أصبح باردا صار قويا، ولا كل من توقّف عن العتب بلغ الصفاء، فاللامبالاة أحيانا ليست نهاية الشعور وإنما طريقته الأقل إيلاما في الاختباء.

والشفاء لا يعني أن ننسى، إنمّا أن نتذكر من دون أن نمنحه دفة قيادة حياتنا، وأن نتعلم منه من دون أن نسلّمه مفاتيح أيامنا القادمة.

ولهذا أحب أولئك الذين كبروا من دون أن تشيخ أرواحهم، فهم ليسوا سذّجًا، ولم تمرّ بهم الحياة خفيفة إطلاقا، إنما أدركوا أن النجاة لا تعني الخروج من الألم سالمين، وإنما الخروج منه من دون أن يصبحوا امتدادًا له.

وهنا فهمت ما الذي بقي في صديقتي، رغم كل ما مرّت به، فهي احتفظت بالدرس، وتركت لأصحابه قسوتهم، ورفضت أن تمنح من آذاها امتيازًا أخيرًا، وهو أن يقرر نيابةً عنها مَن ستكون بعده. فبعض الناس يمرّون في حياتنا ليتركوا درسًا، وقمّة الحكمة أن نحتفظ بالدرس، وألّا نسمح لهم أن يأخذوا معهم شيئًا منّا.

* يُنشر بالتزامن مع صحيفتَي سبق السعودية والشرق القطرية