يُنسب إلى صانع الأسلحة الأميركي صمويل كولت قولٌ مفاده: «خلق الله الناس متساوين، وجعلهم كولت متساوين». وبصرف النظر عن سلامة هذه العبارة أو صحتها أو دقة نسبتها التاريخية، فإنها تعبّر عن حقيقة رمزية مهمة، مفادها أن اختراع المسدس جعل الإنسان ضعيف البنية، محدود الشجاعة أو قليل الحيلة، قادراً، بمجرد أن يضع إصبعه على الزناد، على أن يشكل خطراً على من يفوقه قوةً وبأساً، بل وربما عقلاً وحكمةً، إذ لم تعد القوة حكراً على الأقوى، عندما أصبحت الأداة قادرة على منح صاحبها قدرةً تتجاوز قدراته الذاتية.

واليوم، لم يعد السلاح وحده هو الذي يمنح صاحبه قوةً لم تكن في متناول يده، فقد أصبحت الكلمة، ولا سيما الكلمة الرقمية، قوةً قد تفوق في أثرها كثيراً من الأسلحة التقليدية. فالهاتف المحمول أصبح منبراً، والحساب الشخصي تحول إلى صحيفة، والمنصة الرقمية صارت محطة بث مفتوحة على العالم. وبضغطة واحدة يستطيع أي شخص نشر خبر أو اتهام أو إشاعة أو تحريض، لتصل رسالته إلى آلاف أو ملايين الناس قبل أن تتاح فرصة التحقق منها أو تصحيحها.

وهنا تكمن خطورة «رصاص الكلمة»، فطلقة اللسان أو رشق الكتابة قد لا يصيبان جسداً، لكنهما قد يصيبان سمعة إنسان وكرامته، ويهزان الثقة، ويمسان الوحدة الوطنية والسلم الاجتماعي. فالكلمة المنفلتة قد تهدم حياة إنسان، وتزرع الكراهية، وتشعل فتنة، وتحول اختلافاً طبيعياً في الرأي إلى خصومة تتسع دوائرها. وفي عالم التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر الكلمة في لحظات ولا تنسى بسهولة، أصبح الكذب أحياناً أسرع من الحقيقة، والتشهير أوسع انتشاراً من التصحيح، والإثارة أكثر جذباً من المسؤولية.

Ad

ولا تقتصر المشكلة على الحسابات الفردية، إذ قد تقع بعض وسائل الإعلام والمنصات أيضاً في فخ السبق والمشاهدة والتفاعل، فتتراجع أمام هذه الاعتبارات قواعد التحقق والدقة والموضوعية. وعندها يتحول الإعلام من وسيلة للتنوير إلى جزء من صناعة الضجيج، وتصبح حرية التعبير ذريعة للإساءة والتشهير والتحريض ونشر المعلومات المضللة.

إن الدفاع عن حرية التعبير لا يعني الدفاع عن الفوضى. فالحرية ليست حقاً بلا حدود، بل مسؤولية تمارس في إطار يحمي حقوق الآخرين، ويصون الكرامة الإنسانية، ويحفظ المجتمع من الكراهية والتحريض والتضليل.

وعليه، فإن منظومة قانونية وإعلامية حديثة تواكب العصر الرقمي، هي ضرورة، لا لتكميم الأفواه أو مصادرة الآراء، بل لتحقيق التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية، وبين الحق في النشر والواجب في التحقق، وبين النقد المشروع والتحريض الممنوع.

وقد قيل قديماً: «إن الكلمة قبل أن تخرج من فمك تكون أسيرةً في وثاقك، فإذا خرجت أصبحت أنت أسيراً في وثاقها»، ولعل هذه الحكمة لم تكن أكثر صدقاً مما هي عليه اليوم، لأن الكلمة لم تعد تُقال ثم تنتهي، بل تُنشر فتنتشر، وتبقى، وقد تتحول في لحظات إلى رصاصة تصيب أفراداً أو مجتمعاً بأكمله.

فالكلام، كما السلاح، يمكن أن يكون أداة هدم أو وسيلة بناء، قد يجرح ويؤجج، وقد يداوي ويجمع. وبين «السلاح» و«السلام» تقف مسؤولية الكلمة، فالكلام حين يُحسن استخدامه يكون سلاحاً للحق، وجسراً للوعي، وطريقاً إلى السلام.

* كاتب ومستشار قانوني