وحلّ شهر سبتمبر الذي في أواخره يتم الاحتفاء باليوم الدولي للترجمة. وفي هذا الصدد سنتطرق في مقالات هذا الشهر إلى الترجمة وارتباطها الوثيق ببعض مجالات الحياة. وسنبدأ بتسليط الضوء على لغة تؤدى بحركات متعاقبة لا تمر عبر الحناجر ولا تسمع عن طريق الأصوات، لكنها لغة تولد من راحة اليد حين تتراقص الأنامل وتصنع سيمفونية من أبجديات مرئية وتتغنى فيها الملامح كالنبرات، فتبقي العين أذناً تلتقط ما لا يسمعه الآخرون.
هي لغة الإشارة التي تبني جسوراً بين فئة ذوي الاحتياجات الخاصة والآخرين من حولهم، لأنها تمد حبل الحياة والمشاركة، وتعزز معنى الكرامة الإنسانية. هي أصدق صور الترجمة التصاقاً بجوهر الإنسان، كونها لا تنقل المعلومة فحسب، بل تعمل بمنزلة المفتاح الذي يفتح باباً موصداً في وجه ذوي الاحتياجات الخاصة، وتجعله قادراً على التواصل مع الآخرين.
ودولة الكويت لم تترك هذا الأمر معلقاً في فضاء النوايا الطيبة، حيث إنها نصت في القانون رقم 8 لسنة 2010 بشأن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في الفصل الأول «نطاق تطبيق القانون» في تعريف اللغة على أنها «هي لغة الكلام ولغة الإشارة والرموز وغيرها من أشكال اللغات غير اللفظية».
كما ينص القانون في الفصل الثالث «حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة» في مادته الخامسة على: «...، تلتزم الحكومة بتوفير مكاتب لتقديم خدمات خاصة لذوي الإعاقة في كافة مؤسساتها وجهاتها الحكومية بما في ذلك مترجم لغة الإشارة ومعين لخدمة المكفوفين لضمان تمتعهم بحقوقهم على قدم المساواة مع الآخرين».
أيضاً في الفصل الخامس «الاندماج في المجتمع»، تنص المادة الثالثة والعشرون على: «تلتزم وزارة الإعلام باتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفير مترجم للغة الإشارة في وسائل الإعلام المرئية...».
وفي هذا الصدد، يجب إعداد مترجمي لغة الإشارة وتأهيلهم مهنياً ووضع معايير دقيقة للكفاءة والأخلاق المهنية والسرية. أيضاً لا بُد من اتساع حضورهم في جميع المؤسسات والمؤتمرات. كما ينبغي أن تغدو ترجمة لغة الإشارة ركناً أصيلاً في الرسائل الحكومية العاجلة وتحذيرات الطوارئ والصحة والسلامة العامة. وهنا تتجلى أسمى معاني الترجمة، وهي أن تصل الرسالة لكل إنسان، وألا يبقى أحد خارج الحوار لمجرد أنه يتحدث بطريقة مختلفة، لأن الصوت ليس الطريق الوحيد إلى الإنسان، فالأيدي تستطيع أن تتحدث، والحق في التواصل أوسع من أن تحده القدرة على النطق أو السمع.
* مترجمة وكاتبة وفنانة تشكيلية