عندما يصبح الإرهاب مسألة هوية تقدّم الولايات المتحدة نفسها للعالم حارسةً للديموقراطية وحقوق الإنسان، ويقدّم الغرب نفسه باعتباره النموذج الأعلى للتحضر والانفتاح والتسامح. لكن خلف هذه الصورة البرّاقة يقف تناقض أخلاقي فاضح: عندما يكون المسلم متهماً تُفتح قواميس الإرهاب والتطرف، وعندما يكون المسلم ضحية تبدأ صناعة الأعذار وتخفيف المصطلحات والبحث عن أسماء أكثر لطفاً للجريمة. هنا تسقط الأقنعة، وتظهر أكبر كذبة في الخطاب الديموقراطي الغربي: ازدواجية المعايير.
في أميركا وأوروبا توجد حركات وشبكات يمينية وعنصرية ومتطرفة تحمل أفكاراً لا تقل وحشية في جوهرها عن فكر «داعش»: التفوق العرقي، والكراهية الدينية، ونزع إنسانية الآخر، والتحريض ضد المسلمين والمهاجرين والأقليات. بعضها يمتلك شبكات للدعاية والتجنيد والتمويل، ويستخدم الإنترنت لبناء مجتمعات كاملة من الكراهية. فلماذا يصبح التطرف «إرهاباً» عندما يحمل صاحبه اسماً مسلماً، في حين يتحول إلى «تطرف يميني» أو «حادثة فردية» عندما يكون صاحبه غربياً؟ «داعش» لم يكن إرهابياً لأن أعضاءه مسلمون، بل لأن منهجه قام على إلغاء الآخر واستباحة دمه وتهجيره وتدمير حياته. ولذلك فإن كل من يحمل المنطق نفسه يجب أن يخضع للمعيار نفسه، سواء حمل راية سوداء أو ارتدى زياً عسكرياً، وسواء جاء من الشرق أو من الغرب. ثم جاءت غزة لتضع هذه الازدواجية أمام العالم بلا مساحيق. شارك أجانب يحملون جنسيات غربية في القتال ضمن أطر عسكرية رسمية، بالتزامن مع خطاب متطرف دعا إلى التهجير أو برره ونزع الإنسانية عن الفلسطينيين، في حين أصبحت اتهامات الإبادة الجماعية والتهجير القسري والتطهير العرقي موضوعاً لملاحقات ونقاشات قانونية دولية كبرى. تخيلوا فقط الصورة معكوسة. لو سافر مسلمون من أميركا وأوروبا للقتال في جيش شرق أوسطي، ثم خرج سياسيون وشخصيات عامة يطالبون بإفراغ مناطق من سكانها أو تهجير شعب، هل كان الإعلام الغربي سيطلق عليهم وصف «متطوعين»؟ أم كانت كلمة الإرهاب والمرتزقة ستتصدر الشاشات خلال ساعات؟ هذه هي المشكلة: عندما تتغير هوية المقاتل تتغير القواميس، وعندما يتغير دين الضحية تتغير الحساسية الأخلاقية. يُطلب من المسلم أن يعتذر عن جريمة ارتكبها شخص لا يعرفه في قارة أخرى، بينما لا يُطلب من أصحاب خطاب الكراهية في الغرب تفسير جرائم المتطرفين الذين خرجوا من مجتمعاتهم. ولا أتهم الغرب كله، فهناك ملايين الأميركيين والأوروبيين من مختلف الأديان خرجوا دفاعاً عن الفلسطينيين ورفضاً للعنصرية والحرب. وهؤلاء يثبتون أن القضية ليست صراعاً بين الإسلام والغرب، بل صراع بين العدالة والنفاق السياسي. أميركا لا تستطيع أن تعطي العالم دروساً في مكافحة التطرف إذا كانت معاييرها تتبدل حسب هوية الجاني والضحية. إما أن يكون الإرهاب إرهاباً مهما كان مرتكبه، والجريمة جريمة مهما كانت هوية ضحيتها، وإما أن يتوقف الغرب عن تصدير دروس حقوق الإنسان إلينا. فحقوق الإنسان التي تحتاج إلى فحص دين الضحية قبل الدفاع عنها ليست حقوقاً للإنسان... بل امتيازات سياسية يرتدي أصحابها قناع الديموقراطية.