لعلنا ندرك اليوم وجهة تمويلية باتت جليّة للعيان، خاصةً بعد أن جاء قانون التمويل والسيولة رقم 60 لسنة 2025، واضعا سقفاً ثابتاً للدين يُقدّر بـ 30 مليار دينار، ثم صدر في ثلاثاء الأسبوع الماضي قانون رقم 81 لسنة 2026 بشأن تعديل بعض أحكام مرسوم بقانون رقم 106 لسنة 1976 بشأن احتياطي الأجيال القادمة، معنيّاً بإعادة رسم العلاقة بينه وبين الاحتياطي العام.
وجاءت قراءتنا السابقة لقانون التمويل والسيولة مفصّلةً مدى الحاجة إلى أن يكون السقف متغيّراً، ليكون معدل ارتفاعه قائماً بالكلية وحسب على معدل ارتفاع عاملَي صافي الصادرات والاستثمار في إجمالي الناتج المحلي، عوضاً عن أن يكون ثابتاً وحسب. وتجيء هذه الحاجة على شكل «حزم اقتصادي» يضمن جودة الاقتراض؛ ليخدم استثماراً رأسمالياً عوضاً عن إنفاق جارٍ.
أما اليوم، فإن القانون رقم 81 لسنة 2026 قد جاء بـ «حزم حوكمي» يصنع من أداء استثمارات صندوق الأجيال القادمة مؤشراً، لا سيما في المواد المعنية بعدم جواز تجاوز القروض الجديدة منه خلال سنة مالية واحدة نسبة 100 بالمئة من متوسط العوائد المحققة للصندوق خلال آخر 5 سنوات مالية مدققة، وألّا يتجاوز إجمالي رصيد القروض المتراكمة منه 10 بالمئة من صافي أصول احتياطي الأجيال القادمة. كما أنه جاء بـ «حزم محاسبي»، فأكّد أن القرض لا يُعامل كسحب أو استقطاع نهائي؛ بل يُسجل أصلاً مستحقاً لمصلحة احتياطي الأجيال القادمة مع عائد عليه، وأعطى القروض أولوية في السداد عند تحقيق الفائض، وأكّد عدم جواز شطب القرض أو تخفيضه إلّا بقانون. غير أن القانون، على الرغم من اشتراطه أن مجلس الوزراء هو مَن يحدد في كل قرض قيمته، وغرضه، والعائد عليه، ومدة السداد وجدوله، فإن «حزمه الاقتصادي» في مسائل جودة الاقتراض لم يكن مضاهياً لحزميه، الـ «حوكمي» والـ «محاسبي»، المتمثلين في مواده، فالعوامل المستدامة في معادلة إجمالي الناتج المحلي لا تزال غائبة.
الجدير بالإشارة اليوم، حسب فهمنا التشريعي، هو أن كلا القانونين يحدد سقف اقتراض خاصاً به. فالأول يجيء سقفه على كل ما يرتبط بالعقود المباشرة مع البنوك والمؤسسات المالية أو باستخدام الأدوات المالية، كما أن مادته الثانية تتحدث عن الاقتراض باستخدام الأساليب والأدوات المتعارف عليها في الأسواق المالية المحلية والعالمية. أما الثاني فيجيء سقفه على كل ما يرتبط بالاقتراض من احتياطي الأجيال القادمة فحسب. وهذا يضعنا أمام إدراك صريح: أن القدرة الاقتراضية، وإن جاء نصفها التشريعي دفتريًا، إلّا أنها ارتفعت بشكل كبير.
ويجيء الاعتبار الدفتري قائماً على منهجيات غالبية وكالات التصنيف الائتماني، فهي لا ترى أن الاقتراض بين الأجهزة الحكومية ديناً عاماً حقيقياً. وهذا ما قد يراه بعض المتخصصين حجة إيجابية تصب في مصلحة تصنيف الكويت الائتماني. ولكن الحجّة، في الوقت ذاته، قد غفلت بعض الشيء عما قد يترتب عليه من انخفاض في حجم الأصول الخارجية لصندوق الأجيال القادمة، ومدى تأثير ذلك الانخفاض على التصنيف الائتماني.
فاللهمّ أبرم لهذه الأمة أمرَ رشد.