يولد الإنسان ولديه استعداد فطري وحواس ودوافع للتعلم والاكتساب، ولديه من الفضول وحب الاستطلاع والاندفاع، كما الظنون والوساوس، ما يجعل حياته ورأسه في حالة تقلب دائم.
رغم أن للعلم مكانة جليلة، وهناك حث وجهد لنيله، لكن بعض العلوم يلزم اجتنابه والكف عن تعليمه! فبعض العلوم يلحق الضرر بالفرد وبالمجتمع، كالسحر والشعوذة، ويُرى أن علوم صناعة أسلحة الدمار الشامل كذلك، لكن العلم الضار، إن صح التعبير، يشمل ما هو أبعد من ذلك بكثير.
أنت الآن في مجلس مناسبة، وضمن الحضور شخص تعرفت إليه وتجاذبت معه أطراف الحديث، وقبل مغادرتك جاءك الذي انفرد بك ليخبرك عن سيرة ذلك الشخص، أحواله المادية، وظروفه الصحية، ووضعه الأسري، ومع أن ما قاله صحيح إلا أنه لا يعنيك! لا يقدّم ولا يؤخّر.
فرد من أسرتك أو أصدقائك يمر بحالة صحية يتابعها مع طبيب مختص، تبحث عن هذه الحالة ثم تتحدث عن تفاصيل في مضاعفاتها، ما ذكرته قد يكون حقائق علمية مرتبطة بدراسات ومستندة إلى إحصائيات، لكن ما الحاجة إلى ذكرها سوى أنها ستثير القلق والهواجس؟!
ينبت عند بعض الأشخاص هوس حول «السَبق» والإحاطة، ويظنون أن جلب الأخبار ونقل المستجدات فطنة ودهاء، وتفوق واستعلاء! ويتوهمون أنهم مصدر أو مرجع لقضايا الأفراد والأسر! لماذا لا تطرح موضوعاً ينمي الإبداع على سبيل المثال؟ أو تشارك فكرة تخدم البيئة؟ أو ترسل خاطرة تلامس القلب، تخفف عن مهموم، تُذكّر بالصبر والأجر؟ تُعلّم علماً نافعاً... تعطي معلومات قيّمة.
المواقف والمواضيع تختلف، فالعلم بالشيء لا يعني -حتمية- البوح به، فليس كل ما يُعرَف يُقال، وليس كل ما يقال يفيد. بعض المعلومات لا جدوى منها، كما أنها تشغل الناس بين تتبع العورات من جهة، والشكوك والفرضيات من جهة أخرى!
ألم يقل صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت»؟ أين الخير في تداول شؤون الناس على شكل معلومات؟! ألم يقل: «من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»؟ ما الذي يعنينا في وضع خاص لزميل أو جار؟
لا يتحدث في خصوصيات الناس شخص خيّر يقصد الصلاح، لا ينقل أخبار الناس إلا نمّام موعود بالحرمان من الجنة.
اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع.