وعجلت إليك ربي لترضى... أعظم حب وأجمل حب في هذه الحياة الدنيا والممتد مع صاحبه لأبد الآبدين هو حب الله تعالى، والناس في هذا الحب حسب صفاء قلوبهم وبقدر نور الإيمان المقذوف في هذه القلوب (والذين آمنوا أشد حباً لله)، ومن أجمل آيات القرآن الكريم التي تعبّر عن صدق المحبة والشوق إلى الله عز وجل ما ذكره موسى عليه السلام لما سأله ربه «وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى؟»، فكان جوابه أبلغ تعبير عن صدق المحبة لله تعالى «قال هم أولاء على أثري وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ» (سورة طه - 84).
وكأني بموسى عليه السلام قد تحرّق قلبه شوقاً لهذا اللقاء العظيم الذي لا يضاهيه لقاء في دنيا الناس، فترجم هذا الشوق إلى خطوات متسارعة بأقدامه إلى موضع المناجاة بالوادي المقدس بجبل الطور بسيناء المصرية، تاركاً خلفه جماعته ورفقاء دعوته، فسرعة الاستجابة تشير إليها كلمة «عجلت»، التي تدل على المسارعة والمبادرة في طاعة الله، وعدم التسويف في فعل الخيرات.
وانتبه إلى روعة التعبير، فلم يقل موسى عليه السلام «لتعطيني» أو «لترضيني»، بل قال «لترضى»؛ فقمّة النجاح والفلاح للعبد هو أن ينال رضا الله سبحانه وتعالى، وهو الغاية القصوى لأهل الإيمان، وقدّم العجلة في الطاعة والسعي إليها بين يدي طلب الرضا، وكأنه يقول: يا رب، لقد سارعت إليك بما تحب، لترضى عني.
وفي الآية درس عظيم لكل مؤمن بأن يجعل هدفه في الحياة «رضا الله» في كل قول وعمل، وأن تكون نفسه تواقة دائماً للتقرب إلى خالقها، بكل ما يحب ربنا ويرضى، وأن يجعل ما يقوم به من واجبات وفرائض من محبوبات قلبه التي يسارع إليها بشوق ورغبة، ليكتمل له بها راحة قلبه كما كان يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لبلال عن الصلاة «ارحنا بها يا بلال»، بل وكان يجعل بين يديها ركعات يتنفل بها ليتهيأ للقاء العظيم في الفريضة المكتوبة، في حين أن هناك أقواماً مرضت قلوبهم، تظهر أعراضه في قيامهم إلى الصلاة بهيئة سقيمة وحالة مخزية «وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً».
اللهم ارزقنا حبك وحب مَن يحبك وحب عمل يقرّبنا إلى حبك... آمين.