ليست أقسى الجرائم تلك التي تقع في لحظة غضب، بل التي تبدأ بفكرة، ثم تجد مَنْ يُغذيها ويُعيد تشكيلها داخل عقل لم يعد بريئاً كما يتخيله المجتمع. من هذه المنطقة شديدة الخطورة يدخل مسلسل «لعبة جهنم» إلى عالم الجريمة، ليدق ناقوس الخطر في البيت والمسجد والمدرسة وساحات القضاء.
يسلِّط المسلسل الضوء على جريمة قتل حقيقية تم وصفها بأنها الأبشع في تاريخ الجرائم، حين قام طالب (15 سنة) مقيم مع أسرته في الكويت بتحريض طارق (29 عاماً)، شاب فقير في أحد أحياء القاهرة، على قتل طفل وتشريحه وسرقة أعضائه مقابل 5 ملايين جنيه، في جريمة وحشية تعف الحيوانات عن ارتكابها، هزت الرأي العام، وحاكمت الإنسانية التي تتراجع في ساحات الفضاء الإلكتروني إلى حدود مخيفة، من دون أن يُواكب المجتمع والقانون هذه الطفرات الشيطانية في نفوس أبنائنا.
«لعبة جهنم» حلقة جديدة في سلسلة نجاحات محمد فراج، الذي يثبت في كل تجربة أن الشخصية التي يجسِّدها تُصبح على الشاشة أكثر حضوراً من كونها دوراً تمثيلياً. فراج يمتلك قدرة لافتة على الدخول إلى المناطق النفسية المعقدة للشخصية، من دون أن يجعل الأداء استعراضاً لقدراته التمثيلية.
أما عمر رزيق، فهو أحد أبرز مكاسب العمل، ونجم صاعد بقوة، استطاع إلى حدٍّ كبير تلبس شخصية العقل المدمر للمحرض على الجريمة، بأداء هادئ ومقلق في آنٍ واحد، جعل خطورة الشخصية تنبع من الداخل لا من المبالغة في تقديمها.
ويأتي اختيار الطفل منذر مهران في شخصية الطفل المغدور موفقاً جداً، ليأخذ مساحته الصغيرة بعُمق كبير، فكان بسمة العمل ودمعته، وجعل حضوره البريء الجريمة أكثر قسوة.
ينجح «لعبة جهنم» في الغوص بأعماق النفس البشرية، كاشفاً الوجه الحقيقي خلف قناع التدين الزائف للمتهم الأول، والطفولة المشوهة للمتهم الثاني، الذي وصفته النيابة العامة بـ «عقل إبليس». فطفولة اليوم لم تعد كما كانت؛ الطفل يصل إلى قناعات وسلوكيات وانحرافات تتجاوز عُمره بكثير، فيما يستمر التعامل معه باعتباره طفلاً كبيراً. وهنا يبدأ الخلل داخل البيت قبل القانون، وحين لا تُقرأ التحوُّلات النفسية والفكرية ولا تُواجه في الوقت المناسب، قد تتحوَّل الفكرة إلى سلوك، والسلوك إلى جريمة، بل إلى أبشع صور الجريمة، لتكشف الدراما الفجوة بين طفولة تغيَّرت وقوانين ومفاهيم اجتماعية لم تواكبها بالقدر الكافي.
الجريمة مادة جذابة وحساسة في آن، فالدراما تمنح الواقعة دوافع وحوارات ومساحات نفسية قد لا يثبتها الملف القضائي، وهنا تكمن قوتها وخطرها، فهي تجعلنا نفهم الجاني من الداخل، لكنها قد تختزل الضحية في لحظة موت. وفي «لعبة جهنم» يقترب العمل كثيراً من دواخل المحرض، فيما لا يمنح الطفل المغدور وأسرته المساحة نفسها، لتبقى مسؤولية التمييز بين الحقيقة القضائية والخيال الدرامي قائمة.
لذلك يؤخذ على المسلسل تبريره الدرامي لشخصية المحرض عبر ظروف أُسرية واجتماعية لا تعكس بالضرورة حقيقة الجاني، فالتفسير ينبغي ألا يتحوَّل إلى تخفيف للمسؤولية، في الوقت الذي اختزل دور الأسرة، ولم يمنح رد فعل والدي الطفل المغدور ما يوازي فداحة الجريمة.
كما كان يمكن للعمل أن يكون أكثر شجاعة في مساءلة أسرة أهملت ابنها حتى وصل إلى هذه المرحلة، من أم لم تحتضن وأب انشغل، إلى غياب الدعم والمواجهة والعلاج، وإذا كان الهدف دق ناقوس الخطر، فكان الأجدر إظهار أن الجريمة لها أبوان يستحقان المحاكمة، فهي لم تُولد فجأة، بل تسبقها إشارات غالباً ما يتجاهلها المحيطون.