هناك بساطة تأتي قبل المعرفة، وبساطة أخرى لا نصل إليها إلا بعدها. وبين الاثنتين رحلة طويلة من الأسئلة والشك والاحتمالات، رحلة تجعل بيت المتنبي الشهير أكثر من مجرد حكمة شعرية:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ
فالمعرفة لا تزيد تعقيد العالم بقدر ما تكشف التعقيد الذي كان موجوداً ولم نكن نراه.
الطبيب الخبير، مثلاً، قد يرى خلف عَرَض بسيط سلسلة من الاحتمالات والتشخيصات، بينما يغادر المريض مطمئناً لأنه لا يعرفها. والمهندس المتمرس قد يقف أمام مشروع يبدو للآخرين سهلاً، لكنه يرى التربة والأحمال والسلامة والكلفة وأخطاء التنفيذ واحتمالات الفشل. كلما اتسعت المعرفة اتسعت معها مساحة ما يستحق التفكير.
لكن المفارقة الأجمل تبدأ في المراحل المتقدمة من المعرفة، حين يكتشف العقل حدود قدرته على المعرفة نفسها.
في القرن العشرين، فعل عالم الرياضيات والمنطق كورت غودل شيئاً بالغ الدلالة، فقد أثبت، عبر مبرهنات عدم الاكتمال، أن الأنظمة الصورية القوية بما يكفي تحمل حدوداً داخلية، إذ توجد، ضمن شروط محددة، قضايا لا يمكن إثباتها أو نفيها من داخل النظام ذاته. لم يكن غودل يعلن عجز العقل البشري، لكنه كشف أنه حتى أكثر أدواتنا صرامة لا تمنحنا اكتمالاً مطلقاً.
وقبل ذلك بقرون، عاش أبو حامد الغزالي التجربة من باب آخر. كان عالماً متبحراً في الفقه والمنطق وعلم الكلام والفلسفة، ثم قادته المعرفة نفسها إلى أزمة شك عميقة. لم يعد يسأل: ماذا أعرف؟ بل طرح السؤال الأصعب: كيف أعرف أن ما أعرفه يقين؟
فحص الغزالي أدوات المعرفة، وشكّ في المسلّمات، وانتهى لا إلى إلغاء العقل، بل إلى إدراك أن للعقل مجالاً وحدوداً، وأن امتلاك أداة عظيمة لا يعني قدرتها على الإحاطة بكل الحقيقة.
وهنا تتغير علاقتنا بالمعرفة. في البداية نبسّط لأننا لا نرى التعقيد، ثم نتعلم، فتتكاثر الاحتمالات والأسئلة. وإذا مضينا بعيداً بما يكفي، قد نصل إلى بساطة أخرى: هدوء من أدرك أنه ليس كل سؤال قابلاً للحسم، وليس كل مجهول نقصاً ينبغي ملؤه بإجابة.
فأين نحن من بساطة العارف؟ في زمن تتكاثر به الآراء السريعة، ويبدو فيه اليقين أكثر جاذبية من السؤال، ربما نحتاج إلى إعادة الاعتبار لعبارة «لا أعرف»، فالتواضع المعرفي ليس تراجعاً عن العلم، بل ثمرة من ثماره، لأن من يعرف قليلاً قد يظن أن العالم واضح، أما من يذهب بعيداً في المعرفة فيدرك مقدار ما يفلت من أدواته.
لذلك ربما لا تكون ذروة المعرفة أن نملك جواباً لكل شيء، بل أن نمتلك من العلم ما يكفي لنعرف أين ينتهي علمنا. تلك ليست بساطة الجاهل، بل بساطة العارف: من عبر التعقيد، ولم يعد بحاجة إلى ادعاء اليقين.