ليس كل مستفيد فعلي متستراً، كما أن ظهور شخص خلف كيان اقتصادي أو تمتعه بملكية أو سيطرة فعلية لا يعني، بمجرده، وجود مخالفة قانونية. هذه التفرقة، البسيطة في ظاهرها والعميقة في آثارها، هي من أهم مفاتيح فهم ونجاح منظومة مكافحة التستر التجاري.
فمعرفة المستفيد الفعلي تكشف الحقيقة الاقتصادية، وتحدد من يقف فعلياً خلف الكيان، ومن يملكه أو يسيطر عليه أو ينتفع منه، بينما يبحث قانون مكافحة التستر في مشروعية هذه العلاقة وطريقة ممارستها، مجرّماً الحالات التي تُستخدم فيها لتمكين شخص من ممارسة نشاط لا يحق له ممارسته، أو للتحايل على القيود القانونية المنظمة للنشاط الاقتصادي، لذلك فإن الإفصاح عن المستفيد الفعلي لا ينبغي أن يتحول إلى قرينة اتهام، كما أن الشفافية لا تعني، بذاتها، وجود تستر.
ومن هنا تأتي أهمية الندوة، التي استضافت فيها غرفة تجارة وصناعة الكويت قياديي وزارة التجارة والصناعة، لمناقشة إجراءات تحديد هوية المستفيد الفعلي وأحكام قانون مكافحة التستر التجاري رقم 78 لسنة 2026، إذ تجاوز النقاش التعريف بالنصوص إلى تساؤلات عملية تتصل بكيفية تطبيق القانون على واقع الأعمال.
والسؤال الأهم هو: متى يتحول التفويض أو الإدارة أو الوكالة أو السيطرة الفعلية إلى «تمكين» يشكل مخالفة؟ فوجود مدير فعلي أو شريك مستفيد أو شخص يمارس دوراً مؤثراً في إدارة المشروع لا يكفي، في ذاته، لقيام التستر، ما لم تقترن هذه الوقائع بالعناصر التي تثبت ممارسة نشاط محظور أو التحايل على القانون، وهو ما يجعل وضوح المعايير التطبيقية أمراً ضرورياً للفصل بين العلاقات التجارية المشروعة والممارسات المخالفة.
وتتفرع عن ذلك تساؤلات أخرى، تتعلق بمدى وضوح العناصر المادية والمعنوية للمخالفة، وحدود مسؤولية المدير الذي يعلم بالممارسة المخالفة، والتعامل مع بعض الهياكل القانونية كشركات المحاصّة، ومدى كفاية فترة توفيق الأوضاع، وآليات التصالح وتصحيح المخالفات، وحدود سلطات التفتيش والضبط، وحماية الغير حسن النية، فضلاً عن ضمانات تمنع إساءة استخدام نظام مكافأة المبلغين في النزاعات أو المنافسات التجارية.
هذه التساؤلات لا تنتقص من هدف القانون ولا من جهود وزارة التجارة والصناعة، بل تؤكد الحاجة إلى وضوح أكبر عند الانتقال من النص إلى التطبيق، لا سيما أن إقرار القانون يعكس حرص الوزارة على تعزيز الشفافية والانضباط الاقتصادي، ومواجهة الممارسات التي تخل بتكافؤ الفرص، وحماية التاجر الملتزم من منافسة غير مشروعة، بما يسهم في بناء بيئة أعمال أكثر عدالة واستقراراً.
ومن هنا، تبرز أهمية استمرار الحوار والتعاون بين الوزارة وغرفة تجارة وصناعة الكويت ومجتمع الأعمال والمختصين، بما يضمن استكمال الإطار التنظيمي للقانون بإصدار لائحة تنفيذية واضحة ومنضبطة، وإعداد دليل إرشادي يجيب عن التساؤلات التي قد تثيرها أحكامه، ويتضمن أمثلة عملية واضحة، بحيث يدرك كل تاجر ومستثمر ومدير الحدود الفاصلة بين ما يعد مشروعاً وما يندرج في نطاق المخالفة.
لا خلاف على أهمية مكافحة التستر، وإنما الحاجة ملحّة إلى تحديد واضح للخط الفاصل بين التستر والمعاملة التجارية المشروعة، حتى يحقق القانون غايته كاملة: سوقاً أكثر شفافية، ومنافسة أكثر عدالة، وبيئة أعمال تحمي الملتزم وتغلق الطريق أمام المتستر والمخالف.
* كاتب ومستشار قانوني