وزارة التجارة والصناعة بصورتها الحالية لم تعد بحاجة إلى تعديلات تجميلية أو تغيير بعض القيادات، بل إلى إعادة بناء كاملة. المشكلة لم تعد في إدارة أو مسؤول، وإنما في هيكل تضخم حتى أصبحت الاختصاصات والقوانين المطلوب تنفيذها أكبر من قدرة وزارة واحدة على إدارتها ومراقبتها بكفاءة. التجارة، الصناعة، الشركات، التراخيص، حماية المستهلك، الأسواق، التموين، الرقابة، التجارة الإلكترونية، ومئات الأنشطة واللوائح والقرارات؛ كلها ملفات ضخمة موضوعة تحت سقف واحد، ثم نستغرب بطء الإجراءات وتداخل الاختصاصات وضعف الرقابة!

هذه ليست قوة مؤسسية، بل تضخم إداري يجب الاعتراف به، لذلك اقترح تفكيك وزارة التجارة بصورتها التقليدية، وتحويل جانب كبير من اختصاصاتها التنفيذية والرقابية إلى هيئة مستقلة للتجارة والأسواق وحماية المستهلك، مع فصل الصناعة كملف اقتصادي واستراتيجي، وإعادة بناء منظومة الشركات والتراخيص والسجل التجاري رقميا، على أن تركز الوزارة أو الجهة الحكومية المختصة على رسم السياسات العامة بدل إدارة التفاصيل اليومية للسوق. 

والأهم من تغيير الهيكل باعتقادي هو مراجعة القوانين والقرارات. لدينا اليوم تشريعات ومتطلبات رقابية تتوسع باستمرار، بينما الجهاز المسؤول عن تنفيذها يعاني أصلاً من تشعب اختصاصاته. فما فائدة قانون قوي على الورق إذا كانت الجهة المنفذة لا تملك القدرة البشرية والتقنية والرقابية لتطبيقه بالشكل المطلوب؟ ومن الأمثلة التي تستحق مراجعة جادة التوسع في إلزام بعض الأنشطة بالدفع غير النقدي وتقييد التعامل بالكاش. 

Ad

لسنا ضد الدفع الإلكتروني، بل بالعكس، هو ضرورة للاقتصاد الحديث، لكن هناك فرقاً بين تشجيع الدفع الإلكتروني وبين تحويله إلى أداة منع مطلقة. فالمنع المبالغ فيه لا يلغي النقد من الاقتصاد، وإنما قد يدفع بعض التعاملات إلى خارج السوق الرسمي، وهنا تكمن الخطورة. عندما تمنع السوق النظامي من استيعاب حاجة موجودة فعلياً فإنك قد تساعد دون قصد على خلق سوق مواز، والسوق الموازية تعني تعاملات أقل شفافية، ووسطاء غير رسميين، وصعوبة أكبر في تتبع حركة الأموال، وهي البيئة التي قد تزيد مخاطر غسل الأموال بدل الحد منها. 

مكافحة غسل الأموال لا تكون باعتبار النقد في حد ذاته موضع شبهة، وإنما بتتبع مصدر الأموال، ومعرفة المستفيد الحقيقي، وتحليل العمليات المشبوهة، وربط الجهات الرقابية والبنوك والأنظمة المالية ضمن منظومة ذكية، والمطلوب في الوقت الحالي تفكيك حقيقي للاختصاصات، وإلغاء الإدارات المتكررة، وفصل التشريع عن التنفيذ والرقابة، وتحديد المسؤولية بوضوح، ومراجعة القرارات التي أثبت الواقع أنها تحتاج إلى إعادة تقييم. الكويت تريد أن تكون مركزاً مالياً وتجارياً، لكن ذلك لن يتحقق بكثرة المنع أو تضخم الجهاز الحكومي. إذا أصبحت القوانين أكبر من قدرة الوزارة على تنفيذها، والاختصاصات أكبر من قدرتها على مراقبتها، فقد حان الوقت لتغيير النموذج كله.