عبارة «الشراكة الاستراتيجية» بين الكويت والصين تبدو جذابة، لكن طبيعة العلاقة الاقتصادية تكشف معادلة أكثر تعقيداً. وهنا لا نقلل من أهمية هذه الشراكة بل كيف نُجيِّرها لصالحنا. فالصين شريكنا التجاري الأكبر، غير أن الجزء الأهم من التبادل التجاري يقوم على معادلة واضحة، نحن نصدر النفط، والصين تصدر السلع والخدمات. المشكلة ليست في حجم التجارة، بل في هيكلها؛ فالشراكة التي تقوم على سلعة واحدة من جانب ومنظومة متنوعة من الجانب الآخر تظل شراكة غير متكافئة مهما بلغ حجم التبادل.

والأهم أن الصين لا تبني أمنها الطاقي على استمرار اعتمادها على نفطنا، بل على تقليل هذا الاعتماد وتنويع مصادره، فهي توسع مخزوناتها الاستراتيجية، وتزيد دور الطاقة المتجددة، وتعمق علاقاتها النفطية والبرية مع روسيا وآسيا الوسطى، وتستثمر في تقنيات تخزين الطاقة والنقل الكهربائي.

بكين لا تنتظر تغير سوق الطاقة، بل تعمل على تشكيله. وهنا تكمن المفارقة، الصين تستعد لمستقبل تقل فيه أهمية النفط، بينما لا يزال اقتصادنا ينحو إلى مستقبل يستمر فيه النفط كما هو، وتزداد أهمية هذه الحقيقة بالنسبة لاقتصادنا، لكون النفط ليس مجرد سلعة تصديرية، بل العمود الفقري للمالية العامة، فإذا تغيرت طبيعة الطلب الصيني على النفط، فلن تكون المشكلة في فقدان سوق واحد، وإنما في انكشاف نموذج اقتصادي كامل يعتمد على استمرار الطلب الخارجي على مورد واحد. 

Ad

لذلك، فإن الخطر الحقيقي ليس أن تتوقف الصين عن شراء النفط غداً، بل أن يتغير وزن النفط في اقتصادها تدريجياً قبل أن تتغير بنية اقتصادنا. في المقابل، تتوسع الصين في مجالات تمتد من الموانئ واللوجستيات إلى الطاقة المتجددة والبطاريات والشبكات الذكية والاتصالات. وهي لا تتحول إلى مستهلك رئيسي للنفط، بل إلى منتج للتقنيات التي ستعيد تشكيل الاقتصاد العالمي وتخفض، في المدى البعيد، الحاجة إلى النفط. 

وهنا ينتقل ميزان العلاقة من تجارة السلع إلى تجارة المستقبل، الصين تبيع ما سيزداد الطلب عليه، ونحن نبيع ما قد يتراجع الطلب عليه. ومن هذه الزاوية، لا يكفي أن ننظر إلى الصين كسوق ضخم لنفطنا، بل يجب أن ننظر إليها باعتبارها اقتصاداً يمكن الاندماج في سلاسل قيمته، فالقيمة الحقيقية للشراكة ليست في أن تشتري الصين نفطنا، وإنما في أن تساعدنا العلاقة معها على إنتاج قيمة جديدة داخل اقتصادنا وخارجه، ونقل التكنولوجيا والخبرة، وبناء شركات قادرة على المنافسة. وهذا يتطلب تغييراً في مفهوم الشراكة نفسه. 

الأولوية ليست لمزيد من المذكرات، وإنما لمشروعات مشتركة في التكرير والبتروكيماويات المتخصصة وسلاسل الإمداد والتقنيات الجديدة، بحيث يتحول النفط من منتج نهائي للتصدير إلى مدخل لصناعة ذات قيمة أعلى، كما ينبغي أن تكون التكنولوجيا ونقل المعرفة جزءاً أصيلاً من أي اتفاق طويل الأجل، لا ملحقاً به، والأهم أن الكويت تستطيع استخدام قوتها المالية للدخول في الاقتصاد الصيني، لا الاكتفاء بالتعامل معه من خارجه، فالاستثمار في شركات وتقنيات المستقبل، وبناء شراكات إنتاجية مع المؤسسات الصينية، يمكن أن يحول العلاقة من علاقة بائع ومشترٍ إلى علاقة شركاء في خلق القيمة. عندها تصبح الشراكة وسيلة لتنويع الاقتصاد، لا مجرد وسيلة لتنويع الأسواق. 

المعادلة إذن ليست كيف نضمن استمرار الصين في شراء نفطنا؟ بل كيف نستفيد من صعود الصين حتى نمتلك نحن أيضاً جزءاً من اقتصاد المستقبل؟ فالشراكة المتكافئة لا تقاس بحجم ما نبيع وما نشتري، بل بحجم القيمة التي نخلقها معاً، وإذا كانت الصين تعمل على ألا تبقى أسيرة للنفط، فعلينا أن نعمل حتى لا نبقى أسرى له. الشراكة الحقيقية تبدأ حين نصدر برميلاً وقيمة مضافة، لا برميلاً فقط.