"عادل ملحد... كافر مالوش ملّة... ده ديموقراطي"...
الجملة أعلاه مجتزأة من مشهد في فيلم البداية لكاتبه لينين الرملي والمخرج صلاح أبوسيف في ثمانينيات القرن الماضي، وهو يعكس جانباً من إسقاط الفانتازيا على الواقع من حيث استغلال الفاسدين وأصحاب المصالح للجهل ولبساطة الناس وربما انتهازيتهم في تشويه صورة المطالبين بالحقوق والعدالة والديموقراطية في معظم دول العالم الثالث.
يعرض فيلم البداية قصة ركاب طائرة هبطت اضطرارياً قرب واحة مليئة بالأشجار والماء، وبعيدة عن أي تجمُّع بشري، فيتيقن الركاب أن إقامتهم في الواحة ستطول، ويبدأون تأسيس مجتمعهم، وهنا تبلورت المواجهة بين نبيه بيه الأزبوطلي (جميل راتب)، الذي يسعى للاستيلاء على الواحة وثرواتها حتى البشر فيها، متحالفاً مع الانتهازيين، ومستغلاً الجهلاء من خلال تأسيس دولته أو واحته المنسوبة لاسمه (نبيهاليا) مقابل 7 تمرات يومياً لكل مَن يخضع لسلطته. في المقابل يتصدى له الفنان والمثقف عادل صدقي (أحمد زكي)، حاملاً لواء الحرية والعدالة وسيادة القانون، وعدالة توزيع الثروات، وطبعاً الديموقراطية مع قلّة واعية ومثقفة.
ومن دون إسهاب في عرض تفاصيل الفيلم، انصبّ هجوم نبيه بيه على عادل على أنه كافر وملحد، وأيضاً ديموقراطي، وهذه الأخيرة التي أكد عادل أنه فعلاً "ديموقراطي"، جعلت أهل الواحة ينقلبون عليه، خصوصاً الفلاحين والبسطاء، لأنه كما قال لهم نبيه بيه: "الديموقراطي لا يدخل الجنّة"!
هذا المشهد المتخيل من فيلم البداية يعيد للأذهان قصة حقيقية حدثت مع السياسي المصري أحمد لطفي السيد (1872 - 1963)، الذي يعتبر من رواد حركة النهضة والتنوير في مصر عندما خسر الانتخابات مطلع القرن الماضي، لأن منافسه وصفه بأنه "ديموقراطي"، وأن الديموقراطية تعني زواج المرأة من أكثر من رجل!
فكرة تشويه الديموقراطية في صورتها الفانتازية بفيلم البداية أو في الحادثة الواقعية مع أحمد لطفي السيد، أو حتى في زمننا الحالي بتحميلها مسؤولية الأمية والفقر والبطالة والإخفاق التنموي، هي فكرة رائجة عند المنتفعين بمزايا المصالح والثروة والانتهازيين الذين يتحيّنون الحصول على 7 تمرات من نبيه بيه أو جهلاء يصدّقون كل الفرضيات المسموح بتداولها، في حين أن الحقيقة هي أن الديموقراطية لم تمارَس بشكل مكتمل وسليم في معظم دول العالم الثالث، حتى يتم تحميلها مسؤوليات الفشل والإخفاق والتردي الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
إذا نظرنا إلى أعلى دول العالم في الرفاهية، فسنجد أنها ليست الدول الثرية، بل الدول الديموقراطية مدعومة بمؤشرات متقدمة في الناتج المحلي الإجمالي للفرد، ومتوسط العمر المتوقع، ومستوى الدعم الاجتماعي من صحة وتعليم وخدمات، والحرية وغياب الفساد، وهذا ما لا يريد نبيه بيه، أو منافس أحمد لطفي الذي تجاوز التاريخ اسمه، سماعَه، أو أن يتداوله الناس.