ما إن يترك ذاك الوزير أو الرئيس أو المسؤول في منظمة دولية منصبه، حتى يفكر في كتابة مذكراته. وفي كثير من الأحيان تأتي بلغة من النوستالجيا والرومانسية، ربما خلقها عمداً، وربما صنعتها الذاكرة دون إدراك أو وعي حقيقي. فكثير ممن يتربعون طويلاً على المناصب يصابون بذاك الداء الرهيب والمزمن: داء الكرسي وغوايته التي يصعب مقاومتها... يحاول البعض الكشف عن أسرار وقضايا تجعل المذكرات أكثر «دسامة» وإثارة، وتشد القراء لمعرفة ماذا كان يجري خلف الأبواب المغلقة. وهذا أمر طبيعي، بل مطلوب؛ فنحن نريد أن نعرف ما حدث بالفعل، لا فقط ما نُشر وانتشر. ومن هنا تأتي أهمية مذكرات تكشف وتفسر وتضيف إلى معرفتنا بالتاريخ أو صناعته! لكن ثمة نوعاً آخر يبدو كأنه محاولة للاغتسال مما علق بالسمعة والتاريخ من مواقف وقرارات، والعودة إلى المبادئ القديمة بعد أن انتهت آخر فرصة لمنصب أو رتبة أو تميز. ولا فرق هنا بين مسؤول غربي وآخر من جنوب العالم، أو مما اعتدنا أن نسميه «العالم الثالث». ثالث بالنسبة لمن؟ ومن صنّف العالم أصلاً؟ ما علينا! المسألة عالمية. روبرت ماكنمارا، وزير الدفاع الأميركي وأحد مهندسي حرب فيتنام، عاد بعد عقود ليقر بأن الولايات المتحدة كانت مخطئة بشكل فادح. لكن الاعتراف جاء بعد أن قُتل الملايين وتغيرت حياة أجيال ودُمرت مدن وتاريخ ومستقبل. وتوني بلير، مهندس الحرب على العراق، ظل بعدها يفسر ويدافع ويقر بأخطاء في المعلومات والتخطيط. فماذا تفعل الاعترافات المتأخرة أمام بلد دُمرت مؤسساته وتشظى مجتمعه؟ بل إنه، أي توني بلير، لا يزال يقوم بالشيء نفسه، وهو هندسة الحروب والخراب والدمار في بقع أخرى بعد أن أنهى مهمته في العراق!
ولعل المثير أن الباحثين في المذكرات السياسية أنفسهم يحذرون من التعامل معها كأنها مرآة صافية للتاريخ. فهي مصدر مهم لمعرفة ما جرى داخل غرف القرار، لكنها أيضاً رواية يكتبها صاحبها عن نفسه. وقد لاحظ باحثون أن السياسي حين يكتب بعد خروجه من السلطة يسعى، في كثير من الأحيان، إلى تقديم «جانبه من القصة»، والدفاع عن إرثه، وترتيب الأشخاص والأحداث والقرارات في رواية أكثر انسجاماً مع الصورة التي يريد أن يتركها للتاريخ. لذلك ربما علينا أن نقرأ ما بين سطور المذكرات بقدر ما نقرأ السطور نفسها. لسنا بالطبع ضد مراجعة النفس والاعتراف بالقرارات الخاطئة؛ بل لعل هذا ما يجعل المذكرات وثيقة مهمة، تكشف كيف تُصنع القرارات ومن يصنعها، وفي أي غرف: هل هي في العاصمة نفسها أم في عواصم بعيدة تحرك المسؤولين كأحجار الشطرنج؟ المشكلة حين تتحول المراجعة إلى تبرئة، والأسوأ حين يُنقل اللوم إلى المواطن نفسه، وكأن المطلوب تحرير النفوس من آخر ذرة عتب بقيت تجاه المسؤول. فيقال إن سبب فشل السياسات هو شعب «اتكالي»، أو «كسول». وهنا ربما تكمن غواية أخرى أشد خطراً من غواية الكرسي: أن يعيد المسؤول كتابة تاريخه، وأن نساعده نحن في ذلك، فنغفر السياسات لأنها أصبحت ماضياً، ونحمّل نتائجها لمن دفع ثمنها، أو لشخص كان هناك، أو حتى للشيطان نفسه!
*ينشر بالتزامن مع «الشروق المصرية»
* يُنَشر بالتزامن مع «الشروق المصرية»