لعل أولى استراتيجيات بلوغ غايات هذه الحقبة تجلّت في موجة تقاعد جماعي، بغية رفع كفاءة أداء القطاع العام، عبر إصلاح بند الأجور الحكومية، ولا سيما بإحلال دماء جديدة في قوى العمل بمؤسسات الدولة.

وقد أحدث ذلك حركة غير مألوفة في الانتقال من بند «المؤمَّن عليهم» إلى بند «أصحاب المعاشات التقاعدية». وفي الأثناء، وبفعل ما شهده ملف الهوية الوطنية، انكمشت قاعدة «المؤمَّن عليهم»، وتراجعت الأصول النقدية استكمالاً للتسوية.

تقوم استدامة صناديق التقاعد الاجتماعي على إحكام التوازن بين بندَي الاشتراكات، أي الإيرادات المتحصلة من المؤمّن عليهم، والرواتب، أي المصروفات المؤداة إلى أصحاب المعاشات التقاعدية. 

Ad

وبحكم طبيعة النمو السكاني واتساع قاعدة المؤمّن عليهم، وباعتبار العوامل الاكتوارية الأخرى، تقوم سلامة المسار عندما يكون معدل نمو الإيرادات أعلى من معدل نمو المصروفات. ومتى اختل ذلك، لأي سبب كان، سعت أدوات الاستثمار لضمان التوازن بين البندين. ويُقاس ذلك الاختلال، في انعكاسه الاكتواري، بمدى اتساع الفجوة بين أصول الصندوق والتزاماته المستقبلية؛ فكلما اتسعت دلّ ذلك على تراجع متانة التوازن، وكلما انحسرت دلّ ذلك على تحسُّنه، والعكس بالعكس.

يُذكر أن السنوات التي سبقت الحقبة الراهنة، ولأسباب شتى كان تباين منطقها بيّنا، شهدت اختلالات متعاقبة في آليات إحكام ذلك التوازن. فضغوط نيابية، وسياسات متداخلة، كان معها العجز الاكتواري يدنو تارة، ثم ينأى تارة أخرى، وهكذا دواليك. حتى استقر في يقين المختصين أن استدامة صناديق المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية لن تستقيم قبل أن تتكئ، أولاً، على الدعم الحكومي، ثم على تعديل تشريعي أو لائحي، أو كليهما، يمسّ بندي «الاشتراكات» و«الرواتب»، فيما تأتي أدوات الاستثمار التقليدية في آخر مراتب ما تنهض عليه تلك الاستدامة.

والآن، عودة إلى مقتضيات الحقبة، وجب الإقرار بأن المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية جزء لا ينفصل عن الكيان الحكومي، لا بصفتها القانونية فحسب، وإنما بمشاركتها في كلفة قرارات ذلك الكيان وعوائدها، متكاملة في ذلك مع سائر مؤسسات الدولة. نعم، ندرك أن إصلاح بند الأجور الحكومية قد يخفف وطأة الأعباء المالية على الحكومة في بند بعينه، وندرك أنه، في المقابل، جاء في صورة انتقال أشبه بالقيد الدفتري، ليظهر لدى المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية انخفاض في الإيرادات وارتفاع في المصروفات. كما ندرك أن لهذا الانتقال عوائد على صعيد الكفاءة الإنتاجية، قد تفضي مستقبلاً إلى توازن أشد إحكاماً في بنود المؤسسة على وجه الخصوص، وفي الإنتاج الحكومي على وجه العموم.

ولكن مسيرة المؤسسة، وما راكمته من تجارب منذ صدور قانونها، تضعنا أمام حاجة جليّة إلى ضمان قدرتها على استيعاب تداعيات ما تشارك فيه من كلفة قرارات مؤسسات الدولة وعوائدها، وفي الوقت ذاته إلى جعل المؤسسة ذاتها المتكأ الأول والأخير، بعد الله، في استدامة صناديقها التقاعدية. فلعلنا نلتفت إلى تجديد قانونها بما يواكب العصر والفكر؛ قانون ديناميكي في نهجه، ثري بآليات تلقائية معنية بضبط التوازنات، ومنفتح على معطيات مرحلية متغيّرة. ديناميكية حصيفة تصون حكمته المستقبلية أمام تقلبات قد تستدعي، في غيابها، تعديلات تشريعية جامدة ومتكررة؛ تعديلات تتطلب في كل مرة حكمة حاضرة، وهي حكمة قد لا يتزامن حضورها دائماً مع الحاجة إليها، تماماً كما شهدنا في بعض ما سبق الحقبة الراهنة.

فاللهم أبرم لهذه الأمّة أمرَ رُشدٍ.