لم أكن قد أكملت سنواتي الخمس والعشرين عندما أعلنت وزارة الإعلام إقامة مسابقة لتأليف نشيد وطني لدولة الكويت. كثيراً ما باءت محاولاتي لقرض الشعر بالفشل، ولكن.. ولأنني أعشق الكويت وكنت على وشك مغادرة هذه الأرض نحو الغربة، فقد قررت المشاركة بهذه المسابقة الوطنية الأولى في تاريخ الكويت الحديثة.
ولهذا، فقد نظمت قصيدة عام 1975، لكي أثبت مشاركتي كمواطن مخلص يرغب في تأكيد إخلاصه، لا أكثر، فكانت هذه القصيدة التي لم تحظَ بالفوز، وكيف لها أن تفوز بين قصائد هي بمنزلة معلقات لفطاحل شعراء الكويت، وعلى رأسهم الشاعر الكبير، المغفور له بإذن الله، أحمد مشاري العدواني؟
فأنا في بستان الشعر، أو كما يطلقون عليه «وادي عبقر» مجرد شويعر، لأنني لا أداوم على قرض الشعر. ولهذا كانت هذه القصيدة التي شاركت من خلالها بتلك المسابقة قبل ما يزيد على 51 عاماً.
أنت لحن يا كويت قد جسّد الدهر صداه ,أنت روض كلما لاحت تباشيرُ الحياة ,بك نسمو للمعالي ,فيك يا كوت توجست الحبور ,فيك ما في الحُرِ من روح الصقور, بك نسمو للمعالي , أجدادنا عبروا البحار خاضوا المعارك والحروب
من أجل أرض تغتني بسواعد محت الكروب ,نحن قوم لا نبالي
بالله نسعى في الدنا، بالحب نجمع شملنا ,بالعلم نبني صرحنا، فهو السبيل لخيرنا في حالكات الليالي
وقد ظهرت نتائج هذه المسابقة التاريخية بعدها بعد نحو عام، عندما كنت أعد العدّة لمغادرة الكويت للتحصيل العلمي، وبدأت بعدها الاستعدادات لتلحين هذا النشيد الوطني الجديد وتوزيعه، ليكون أول إعلان لميلاد النشيد الوطني الجديد في العيد الوطني السابع عشر (25/2/1978).
وعندما تكون في الغربة يكون للنشيد الوطني الجديد طعم غريب ممزوج بطعم الفراق، وعندما تستمع للنشيد الجديد لوطنك، تشعر بعشق دفين وحنين لكل شيء في الكويت. ثم فجأة تشعر بخيط ساخن لدمعة انسابت على وجنتيك بسبب ألم البعاد عن الأرض وفراق الأحبة، فتجد نفسك وقد وقفت لاشعورياً احتراماً لهذا النشيد الجديد، وكأنك في طابور عسكري تبجيلاً لعلم بلادك، وتقديراً لأفضال وطنك عليك.
لا أدري لماذا استعدت تلك الذكريات، ولا أدري لماذا تذكرت طفولتنا كتلاميذ في الابتدائية والمتوسطة؛ ثم في الثانوية، عندما كنا نقف في طابور الصباح كل يوم لنحيّي علم بلادي وهو يسمو في العلا مترافقاً مع السلام الوطني.
ويتكرر المشهد كل صباح ممطر أو مغبر أو بارد قارس البرودة أو حار شديد الحرارة أو عاصف. ورغم كل هذه الأجواء، نقف بأجسادنا الطرية وكأننا على وشك الدخول في معركة ضد أعداء الوطن غير مبالين بما سيكون عليه الطقس بعد قليل.
حينها لم نكن نفكّر يوماً ما، ومازلنا كذلك، أن هذا الرمز الوطني العظيم.. «خرجة» لا سمح الله.. أو مجرد قطعة قماش ملونة، لأننا تعلمنا منذ الصغر أنه رمز يُحترم، وأمانة تحفظ في القلب قبل أن يكون تاجاً على الرأس.
وكنّا، ولا زلنا، نعاتب من يستسهل التعامل مع هذا الرمز الوطني الرفيع، فلا نرضى أن يكون العلم بالياً أو ممزقاً أو متّسخاً أو حتى مقلوباً، فكيف نرضى أن يقال عنه إنه مجرد «خرجة»؟