عندما تكون وجهتي إلى القاهرة أقوم ببعض الخطوات الضرورية، أرتب جدول مواعيدي بتأخير ساعتين خاصة إذا كان الموعد مع عمالة فنية (تركيب، صيانة) لأنهم «مجهزين» أعذارهم وعندهم مصطلحات تخصهم لزوم الشغل مثل «خمسة، ومسافة السكة، وآخر الشارع، وأنا بركن عندك حضرتك»، والأمر الآخر القبول بإضافة بعض الرسوم خارج الاتفاق، مثل أجور النقل والتركيب، متبوعة بكلمة مراضاة (إكرامية) والأخيرة ومهما تحاول فيك فيك، الرزق يحب الخفية.

إذا تقبلت كل ما سبق فتأكد بأنك سوف تستمتع بالقاهرة وتشوفها أجمل عاصمة بالدنيا، وبوجودك بين الناس تكتشف أنهم من أبسط شعوب الأرض، بالمختصر شعب محب للحياة منفتح يتقبل الرأي والرأي الآخر، وحتى إن لم يكن مقتنعاً «يمشي معاك»، وإن كان مش فاهم حاجة.

أنا من محبي القاهرة، لي فيها أصدقاء كثر ومن كل المستويات، لكن في السنوات الأخيرة بدأت أتحاشى زيارتهم لعلمي بظروفهم المعيشية، ومع ذلك يبهرونك بكرمهم رغم ظروف الحياة الصعبة.

Ad

طبعاً هناك من أصدقائي ميسوري الحال، ومنهم من يعيش في بحبوحة، لكني ولأجل البسطاء منهم قد أخذت هذا القرار إلا من المناسبات الضرورية.

مصر هي الجهة الوحيدة التي من الممكن أن أسافر لها لوحدي، أقضي فيها أسابيع طويلة دون أن أشعر بالملل، فيكفي الجلوس بأي مقهى لتجد من يشاركك أطراف الحديث، وبالطبع الشارع المصري لا يخلو من المفكرين، أقصد فعلاً مفكرين ومثقفين بمعنى الكلمة.

الشعب المصري راعي فزعة فإذا ما حصلت مشكلة لا ينظرون لجنسية الشخص، بل إلى الموقف، أهل نخوة، فهم من الشعوب القلائل التي أسست نظام التكافل الاجتماعي خارج إطار الدولة.

الأمثال الشعبية لها نصيب من الذكريات عندي، لوقعها العجيب على الأذن، ومن أجمل ما سمعت بالفترة الأخيرة: وحدة تقول لزوجها الزائق «اللي تسيبه الهانم تاخده مساحة السلالم»، متبوع بدعاء يودي بستين داهية «روح يا شيخ يحموك بكنكه».

خلال السنوات الأخيرة مصر تغيرت، شوارع جديدة، مشاريع إسكانية ضخمة، مدن حديثة، عاصمة إدارية، مشاريع تنموية واقتصادية واجتماعية ضخمة على سبيل المثال لا الحصر، المبادرة الرئاسية «حياة كريمة» (تطوير الريف المصري) الذي يستهدف تطوير 4584 قرية يعيش بها 58% من سكان الجمهورية، إنشاء وصيانة الطرق، شبكات مياه الشرب والصرف الصحي والكهرباء والغاز الطبيعي، إنشاء مجمعات صناعية، مشروعات زراعية وسمكية، تدريب مهني لخلق فرص عمل، توفير «سكن كريم»، حملات محو أمية، ودعم مادي (مثل تجهيز العرائس وسداد الديون).

هذه المشاريع ساهمت في تحسن مؤشر جودة الحياة بنحو 70 نقطة مئوية، إضافة إلى برنامج «تكافل وكرامة» الذي يقدم مساعدات نقدية مشروطة للأسر الفقيرة والأكثر احتياجاً، وخصوصاً الأسر التي لديها أطفال من ذوي الإعاقة، ودعم المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، وتوفير فرص عمل وإشراكهم في الخطط التنموية لتعزيز الشفافية، متضمنة بيانات تفصيلية عن الاستثمارات والمشروعات في كل محافظة، وأخيراً تطوير القطاع الصحي والتعليمي وإطلاق الاستراتيجية الوطنية الرقمية.

كل ما سبق أراه بعين المحب لمصر التي حباها الله بالكثير من الخيرات، لكن هناك الكثير مازال ينتظره المواطن المصري.