بعد نشر مقاليَّ عن الحياة بعد الستين، تحدث معي عدد من الأصدقاء، وكانت ملاحظتهم متقاربة: تحدثت عن الصحة، والرياضة، والمحافظة على كتلة العضلات، والديوانية والأصدقاء، ونقل الخبرة للأسرة والمجتمع، لكنك مررت سريعاً على جانب يستحق مساحة أكبر، الحرص على السلام الداخلي للإنسان.

فكرت في كلامهم، ووجدت أن الملاحظة في مكانها.

كل ما كتبته مهم، أن يبقى الجسد قادراً على الحركة، والعقل حاضراً، وأن نجلس مع مَن نحبّ ونستمتع بالحياة، وأن ننقل خبرتنا لمن بعدنا. لكن الإنسان في مرحلة ما يبدأ في البحث عن شيء آخر، عن الطمأنينة والرضا والتصالح مع النفس ومع ما مضى من العُمر.

Ad

أسئلة تأتي مع هدوء الحياة

لا أكتب هنا بلسان واعظ، ولست مؤهلاً لذلك. هي مراجعة قد يقوم بها أي إنسان بعد رحلة طويلة من الحياة، فسنوات العمل كانت مزدحمة، وظيفة، وأسرة، وأبناء، وطموح، وسفر، ونجاح وفشل، ومواعيد لا تنتهي. كانت الحياة أسرع من أن نتوقف أمام بعض الأسئلة بهدوء.

بعد الستين يخف هذا الصخب، وتتسع مساحة التفكير. ويسأل الإنسان نفسه: أين أنا من كل هذا؟ ماذا بقي مما كنت أطارده؟ وما الذي أصبح أكثر قيمة؟ ومن بين هذه الأسئلة يأتي سؤال العلاقة مع الله، وربما يكون السؤال الذي تأخرنا في طرحه على أنفسنا.

فهم أهدأ وأعمق للدين

في ثقافات أخرى يبحث الناس عن السكينة في التأمل، واليوغا، وتمارين التنفس، والعزلة المؤقتة عن ضجيج الحياة. وهي وسائل يجد فيها كثيرون هدوءاً نفسياً يستحق الاحترام.

لكن الإنسان في مجتمعنا يملك في تراثه الروحي مساحة واسعة للتأمل والسكينة، مرتبطة ببوصلة واضحة هي علاقته بالله. الصلاة، والذكر، والدعاء، وقراءة القرآن بتدبّر، والتفكر في الخلق، والخلوة الهادئة مع النفس... كلها كانت أمامنا، وربما لم نتوقف بما يكفي لنعيش معناها.

قد يكون الإنسان صلّى طوال عمره، ثم يكتشف الصلاة بطريقة مختلفة، أعرف من كان يمارس «اليوغا» والتأمل بانتظام، ثم بدأ قيام الليل في الثلث الأخير، فاكتشف عالماً من الهدوء لم يعرفه من قبل. دقائق قليلة، والبيت ساكن، والناس نيام، يشعر فيها أن العلاقة مع الله أصبحت أكثر قرباً وخصوصية. وآخر بدأ يحرص على المسجد، فأصبح بيت الله محطة يومية للهدوء وتنظيم الوقت ولقاء الناس.

نرث كثيراً من فهمنا للدين في الصغر، ثم تأخذنا الحياة، وفي مرحلة أكثر هدوءاً تتاح لنا فرصة أن نقرأ من جديد، ونسأل، ونتفكر. نقرأ الآية التي قرأناها عشرات المرات، فنجد فيها معنى لم ننتبه إليه، نفهم التوكل بصورة مختلفة بعد أن عرفنا أن التخطيط لا يضمن النتائج دائماً، ونفهم العفو بعد أن أتعبتنا بعض الخصومات، والرحمة بعد أن رأينا ضعف الإنسان. هنا يصبح الدين أقرب إلى فهم الحياة نفسها، وتصبح العلاقة مع الله ركناً تستند إليه بقية الأشياء.

الرضا... رحلة وليست شعاراً

الرضا كلمة سهلة على اللسان، وصعبة في النفس. فكل إنسان يحمل معه أشياء لم تَسِر كما أراد، فرصةً ضاعت، أو شخصاً فقده، أو قراراً ندم عليه، أو ظلماً أصابه، أو حلماً لم يتحقق، وقد نقضي سنوات نحاور الماضي، مع أن الماضي لا يجيب!

الإيمان بالقضاء والقدر يفتح باباً آخر، لا يمحو الألم، ولا يلغي الحزن، ولا يمنع الإنسان من السعي، لكنه يساعده على أن يقول بعد رحلة طويلة: فعلت ما استطعت، وأقبل ما لم أستطع تغييره، وأترك ما بقي لله.

هذه الحالة لا تأتي بأمر نصدره لأنفسنا، بل تحتاج وقتاً، ومجاهدة، ومراجعة، وقد نتقدم نحوها خطوات ثم نتراجع. المهم أن نعرف الطريق.

الإيمان لا يأخذنا بعيداً عن الحياة

القرب من الله لا يعني الانسحاب من الدنيا أو فقدان الرغبة فيها. تبقى لنا طموحاتنا ورغباتنا، نحب السفر، والطعام الجميل، والديوانية، والضحك مع الأصدقاء، والجلوس مع الأبناء والأحفاد. وقد يبدأ مشروعاً جديداً، أو يكتب، أو يعمل، أو يتعلم، أو يخوض تجربة جديدة.

المطلوب في تقديري أن تأخذ الروح مكانها الصحيح وسط كل ذلك، وأن تكون لدينا بوصلة نعود إليها إذا أخذتنا الدنيا بعيداً، من دون أن نحرم أنفسنا من جمال ما أباحه الله لنا. فالسلام الداخلي لا يتطلب أن نطفئ رغباتنا أو نتخلى عن متع الحياة، وإنما أن نعرف مكانها في الصورة الأكبر.

البوصلة أهم من الوصول

لا أتصور أن العلاقة المتكاملة مع الله تُبنى في يوم. قد نبدأ ثم نفتر، نقترب ثم تشغلنا الحياة، نقرر أمراً ثم لا نستمر عليه، لكن وجود البوصلة يغيّر الكثير.

أن يعرف الإنسان الاتجاه الذي يريد السير إليه، وأن تبقى علاقته بالله أمام عينيه وهو يتعامل مع صحته، وأسرته، وأمواله، وأصدقائه، ووقته، وحتى متعته في الحياة.

ربما كان هذا هو الجزء الذي فاتني في حديثي السابق عن فن العيش بعد الستين، فالجسد يحتاج إلى الحركة، والعقل إلى المعرفة، والقلب إلى الأهل والأصدقاء، والخبرة إلى من يحملها بعدنا، أما السلام الداخلي، فله رحلة أخرى أعمق.

وقد تكون أجمل فرصة تمنحها لنا سنوات الهدوء أن نعيد اكتشاف هذه الرحلة، من دون ادّعاء الوصول، وأن نضع البوصلة أمامنا ونمضي.

فليس المطلوب أن نصبح أشخاصاً آخرين، يكفي أن نعيش ما بقي من العمر بوعي أكبر، ورضا أعمق، وعلاقة أكثر صفاءً مع الله ومع أنفسنا... ونستمتع بالحياة في الطريق.

* وزير الصحة الأسبق